صحيفة الخليج | Author

الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة
Author
جون تامني
ورئيس معهد «بارك فيو» الأمريكي
أحدث مقالات جون تامني
31 مارس 2026
غياب الأزمة.. مشكلة الدَّين الحقيقية

لطالما حذّر خبراء الموازنات العامة من «أزمة وشيكة» مرتبطة بالدين الوطني الأمريكي. وإذا كنت تتابع هذا الجدل، فلا بد أنك صادفت أسماءً بارزة في هذا السياق: ماكغينيس، ريدل، غالستون، بورن، بوتشيا، جينكنز، رامبل، وحتى إيلون ماسك. والقائمة، في الحقيقة، أطول بكثير من أن تُحصى. من دون مبالغة تُذكر، يمكن ملء مدرج كامل بخبراء الاقتصاد والمعلقين والسياسيين الذين ربطوا، على نحو دائم، بين «الدين العام» و«الأزمة».
غير أن الخبر المؤسف لهؤلاء المتنبئين بالسوء هو أنهم مخطئون. ليس هذا رأياً بقدر ما هو قراءة مفادها بأن الأسواق تتسم بالكفاءة والصرامة، واستشرافية بطبيعتها. ودليل ذلك أن سوق سندات الخزانة الأمريكية، الأكثر تداولاً وامتلاكاً في العالم، لا تعكس، بأي حال، تلك النبوءات الكارثية التي يرددها الخبراء.
بل إن الحقيقة، كما كان متوقعاً، تشير إلى أنه كلما ارتفع حجم الدين الوطني، تراجعت معدلات الفائدة عليه. وهذا الاتجاه مرشح للاستمرار، تحديداً لأن النقاش العام يظل أسير حجم الدين، لا أسبابه. وهنا يكمن الفارق الجوهري.
فمن خلال الترويج المستمر لسيناريوهات الانهيار بسبب تضخم الدين، يتجاهل هؤلاء حقيقة أساسية، وهي أن الإيرادات الضريبية المرتفعة، حالياً ومستقبلاً، هي التي تمكّن الحكومة من الاقتراض بهذا الحجم. وهنا تحديداً تكمن «الأزمة الحقيقية»: وفرة متزايدة في الإيرادات المستخلصة من الضرائب، مرشحة للتضخم أكثر مستقبلاً. وكما كتب جورج ويل بنبرة متشائمة، فإن «قدرة وزارة الخزانة على زيادة الدين ستتسارع على الأرجح». نعم، ستتسارع. فالدولة التي تجبي إيرادات ضخمة، وتتوقع زيادتها، تستطيع الاقتراض بسهولة أكبر وبوتيرة أعلى.
بهذا المعنى، يصبح الدين مجرد عرض جانبي لمشكلة أعمق، وهي فائض في الإيرادات الحكومية. ما يعني أن الأزمة الحقيقية هي عدم وجود أزمة دين من الأساس. ذلك أن المستثمرين الذين يضعون أموالهم على المحك، يدركون أن تدفقات الخزانة الحالية تظل محدودة مقارنة بما ستكون عليه مستقبلاً. وقد أقر جورج ويل بهذا الطرح، رغم اختلافه معه، بينما يتجاهله كثير من المنذرين ولا يبدون استعداداً لمناقشته.
مع ذلك، قد يرى ويل، من وجهة نظره الشخصية، الجوانب الإيجابية الكامنة في تشاؤمه بشأن الدين الوطني. ففي عموده الأخير في «واشنطن بوست» بعنوان «التدمير الذاتي المتسارع للأمة»، أعرب عن قلقه من توقعات مكتب الميزانية في الكونغرس، بأن تنفق الولايات المتحدة، خلال عشر سنوات، أكثر من تريليوني دولار سنوياً على خدمة الدين، التي تُعد بالفعل أسرع بنود الميزانية نمواً. غير أن ما يراه ويل باعثاً على القلق يمكن قراءته بصورة تفاؤلية مختلفة تماماً. خاصة في ضوء انتقاداته المزمنة لكونغرس لا يلتزم بالحدود الدستورية، وكأن المشكلة تُحلّ من تلقاء نفسها.
ويضيف ويل في ختام مقاله، أن «ارتفاع الدين العام كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي يقلّص هامش تحرك الحكومة في مواجهة الركود أو الصدمات الاقتصادية». وربما تكون هذه الجملة من أكثر العبارات تفاؤلاً التي كُتبت في المقال.
إذا كنت في حيرة من أمرك، فاسأل «تشات جي بي تي» أو «كلود» أو «غروك» عمّا فعلته إدارات أمريكية من هوفر إلى روزفلت، مروراً ببوش، ووصولاً إلى ترامب، في مواجهة الأزمات الاقتصادية الكبرى في 1929، وثلاثينات القرن الماضي، و2008، و2020.
التدخلات الحكومية الواسعة، تحت شعار «افعل شيئاً ما»، كثيراً ما أطالت أمد الأزمات، بل وخلقت أزمات جديدة من الأساس. ومن هذه الزاوية، قد يكون الكونغرس، من دون قصد، قد حدّ من هذا الاندفاع نحو التدخل، عبر تضييق هامش المناورة المالية. وإذا كان الأمر كذلك، فنحن أمام تحول يستحق التأمل.
بعد كل ذلك، يمكننا الانتقال إلى الأزمة الحقيقية، وهي ببساطة، غياب أزمة الدين. والأصعب أنها أزمة غير مرئية.

5 مارس 2026
حقيقة اقتصادية يتجاهلها البعض

جون تامني*

الطموحون، على اختلاف مشاربهم، يتجهون دائماً إلى حيث يكون النمو الاقتصادي. وهذا ليس بالأمر الجديد، فحيث يتسارع النمو، ترتفع الأجور.
ضعوا هذه الفكرة في أذهانكم. ففي الأماكن التي يتصاعد فيها تراكم الثروة، تتصاعد أيضاً قيمة العمل البشري المحيط بعملية خلقها.
يُشكك هذا الطرح في ادعاء داريو أمودي، المؤسس المشارك لشركة «أنثروبيك»، بأن «الاستجابة السياسية الطبيعية لنمو اقتصادي هائل مصحوب بتفاوت كبير في الدخل (نتيجة لنقص فرص العمل، أو تدني أجورها، بالنسبة للكثيرين) هي فرض ضرائب تصاعدية». يُلمح أمودي إلى أن خلق الثروة يقود إلى نتيجة معاكسة لما نراه بأعيننا: أجور منخفضة وتهميش للعمال.
لكن الإيحاء بأن تراكم الثروة يتزامن مع سحق أصحاب الأجور يتجاهل حقيقة بديهية، صانعو الثروة يحتاجون إلى خدمات وسلع وبنية داعمة تفوق، أضعافاً مضاعفة، احتياجات الموظف التقليدي ذي الدخل المحدود. لهذا تتكاثر المطاعم والمقاهي، ومكاتب المحاماة، والصالات الرياضية، ومراكز التدريب الشخصي، وسواها من الأنشطة التجارية، في المناطق التي تزدهر فيها الشركات والابتكارات. ومع عودة الثروة إلى الصعود في شمال كاليفورنيا، تتسع في الوقت نفسه فرص العمل في المؤسسات التي تنشأ حولها. لكن الأمر لا يقتصر على ذلك. فما يرفضه أمودي ليس فقط رؤيته للعالم، القائمة على مبدأ الربح والخسارة وتوزيع الثروة بشكل ثابت، بل حتى بعض المسلّمات الاقتصادية لدى اليمين المحافظ تبدو بدورها بحاجة إلى مراجعة.
فقد أسهبوا في السنوات الأخيرة في انتقاد قوانين الحد الأدنى للأجور في كاليفورنيا، بزعم أنها ارتبطت بارتفاع البطالة، خصوصاً في قطاع المطاعم، ومن دون الدفاع عن فرض حدود دنيا للأجور. ليذكّرنا اليمين بحقيقة أساسية، مفادها أن الارتباط لا يعني السببية.
لنفترض أن الحد الأدنى للأجور في كاليفورنيا، المعروفة ب«الولاية الذهبية»، سيرتفع إلى 16.9 دولار للساعة في 2026. قارنوا هذا الرقم بما تضطر شركات عديدة إلى تقديمه فعلياً لمجرد جذب موظفين إلى بابها. الفارق بين النص القانوني وواقع السوق يكشف أن قوى العرض والطلب هي التي تحدد الأجر الحقيقي، لا النصوص وحدها.
على سبيل المثال، إذا كانت وظائف المطاعم قد تراجعت في بعض مناطق كاليفورنيا، فمن المرجح أن يكون السبب هو نقص العمالة، وليس لأن تكلفة التوظيف تجاوزت قدرة أصحاب العمل على الدفع. فحين تشتد المنافسة على اليد العاملة، ترتفع الأجور، حتى في ظل حد أدنى قانوني متواضع نسبياً.
هذا يؤكد مجدداً حقيقةً مُريحة حول خلق الثروة في اقتصاد السوق، حيث تزدهر الثروة، ترتفع قيمة الجهد الإنساني المنتج بمختلف أشكاله. وبدلاً من الاعتذار عن ثروته الضخمة، يجدر بأمودي أن يفخر بما يرتبط بها مباشرة من فرص عمل مجزية تمتد إلى ما هو أبعد من قطاع التكنولوجيا ذاته.
يشير الواقع الملموس في قلب عالم الذكاء الاصطناعي إلى أن الثروة لا تخنق العمل، بل تولّد فرصاً واسعة لمن لا يملكونها. والسؤال الذي سيجيب عنه المستقبل هو ما إذا كانت هذه الرؤية الأكثر تفاؤلاً ستجد طريقها إلى تحليلات نموذج «كلود» من «أنثروبيك»؟ وما إذا كان الذكاء الاصطناعي ذو الميول المحافظة سيقدّم بدوره فهماً أكثر دقة للعلاقة بين الحد الأدنى للأجور والبطالة؟
*محرر ومستشار اقتصادي، ورئيس معهد «بارك فيو» الأمريكي

30 ديسمبر 2025
«الفيدرالي» لم يكن يوماً ربّان السفينة

جون تامني*

لم يكن الاحتياطي الفيدرالي يوماً «قائد دفة الاقتصاد»، على الرغم من كل ما يُشاع ويُكتب عنه. فالحقيقة التي يتجاهلها كثيرون أن البنك المركزي الأمريكي تحوّل، بمرور الوقت، إلى ما يشبه برنامج تشغيل كامل للاقتصاديين، سواء داخل أروقته، أو خارجها. وهذه نقطة ينبغي وضعها في الحسبان وسط الجدل الدائم حول ما سيفعله «الفيدرالي»، ومدى استقلاليته، وما إذا كان يُفترض به أن يكون مؤشراً حقيقياً على آفاق الاقتصاد.
إن ازدهار الولايات المتحدة، بهذا الشكل اللافت، يُعدّ دليلاً كافياً، لأيّ شخص عادي لا يحمل درجة دكتوراه في الاقتصاد، على أن أهمية «الفيدرالي» للاقتصاد أقرب إلى التنظير، أو حتى إلى نوع من التقديس الأكاديمي، من كونها واقعاً ملموساً. وربما تكون أفضل طريقة لفهم هذه الحقيقة هي تذكّر أن الرخاء الاقتصادي كان قائماً قبل أن يوجد الاقتصاديون أصلاً.
فآدم سميث، على سبيل المثال، لم يكن اقتصادياً بالمعنى الحديث، كما أنه لم يخترع الرأسمالية كما يُروّج أحياناً. في أعظم كتاب اقتصادي كُتب على الإطلاق، لم يفعل سميث أكثر من توصيف سلوك إنساني قائم بالفعل، هو ما نطلق عليه اليوم اسم الرأسمالية. أما الاقتصاديون المدرَّبون والمتخصصون فقد ظهروا لاحقاً كنتيجة طبيعية للنشاط الاقتصادي نفسه، ذلك النشاط الذي أتاح وجود الجامعات والشهادات الأكاديمية من الأساس. ويمكن، بلا مبالغة، اعتبار الاحتياطي الفيدرالي لعبتهم التي تُبقيهم منشغلين.
المعضلة الحقيقية تكمن في سوء فهم حجم تأثير المركزي، أو محدوديته. فهناك من يشير إلى برامج التيسير الكمي وتضخم الميزانية العمومية للبنك بوصفها دليلاً على نفوذ هائل وتدخل واسع. غير أن ما يُغفل غالباً هو أنه حتى في غياب الاحتياطي الفيدرالي، كانت البنوك ستواصل تبادل الأصول المدرّة للفائدة مقابل النقد، والعكس صحيح. بمعنى آخر، لم يكن التيسير الكمي ابتكاراً جديداً في عالم البنوك، بقدر ما كان دخول «الفيدرالي» إلى سوق قائمة بالفعل، ومحاولته، بشكل متزايد، أن يحل محل هذه السوق.
ويعيد هذا إلى الأذهان مقال رأي حديث لكاتب في صحيفة «وول ستريت جورنال»، جوزيف ستيرنبرغ، حمل عنواناً لافتاً: «الاحتياطي الفيدرالي يعلن بهدوء أنه لم يعد يقود السفينة». ويذهب ستيرنبرغ إلى أن تقليص «الفيدرالي» لمشترياته من الأصول البنكية، برنامج التيسير الكمي، قد يؤدي إلى اضطراب أسعار الفائدة في سوق «الريبو»، حيث تقترض البنوك من بعضها بعضاً لليلة، واحدة تلبية لاحتياجاتها من الاحتياطيات، ما قد يدفع هذه الأسعار إلى تجاوز الهدف الذي يحدده المركزي لسعر الفائدة الفيدرالية. غير أن هذا الطرح يثير كثيراً من الحيرة، ولأسباب متعدّدة.
أولاً، إذا كان «الاضطراب» سيحدث نتيجة انسحاب «الفيدرالي» وتراجع تدخلاته، فذلك أمر مرحّب به. فسعر الفائدة ليس سوى سعر كسائر الأسعار، وأيّ محاولة حكومية للتلاعب به لا تخلق رابحين حقيقيين. بعبارة أخرى، ما يقلق ستيرنبرغ من فوضى محتملة هو بالضبط ما نحتاج إليه أكثر، إذا كان ناتجاً عن تقليص دور الحكومة. فكيف يمكن الوصول إلى النظام إذا لم يُسمح للأسواق بأن تتحدث بحرية؟
ثانياً، التخطيط المركزي يفشل دائماً، وفي كل مكان. وقد شهد العالم هذه الحقيقة عن قرب، وبأثمان بشرية باهظة، خلال القرن العشرين. وتحليل ستيرنبرغ يوحي بأن التخطيط المركزي قد يكون مقبولاً، أو حتى مفيداً، إذا كان من تنفيذ الاحتياطي الفيدرالي. لكن هذا غير صحيح إطلاقاً. فالتخطيط المركزي لا يكتسب فضائل جديدة لمجرّد أن من يقوم به يحمل درجة دكتوراه.
وهنا نصل إلى البديل عن افتراضات الكاتب. إذ يبدو الرجل أسير قناعة مفادها أن البنوك المركزية، المملوءة بألمع العقول الاقتصادية، لا بد أن تتدخل. لكنه يتجاهل احتمالاً أكثر واقعية: إن ما يفعله الاحتياطي الفيدرالي لا يعكس عبقرية فذة، بقدر ما يعكس بيروقراطية حزينة تحاول إضفاء مسميات براقة على إجراء روتيني، كالتيسير الكمي، كي تظل اللعبة قائمة، ويستمر الاقتصاديون في «اللعب»، مقابل أجورهم.
والراجح، في ضوء كل ما سبق، أن هذا هو التفسير الأقرب إلى الحقيقة. أما النمو الاقتصادي الهائل، فهو لم يكن يوماً نتاج توجيه مركزي محكم، بل نتيجة ديناميكية الأسواق نفسها، تلك التي لم تكن، ولن تكون، بحاجة إلى من يقود السفينة.
* محرر ومستشار اقتصادي،
ورئيس معهد «بارك فيو» الأمريكي

14 سبتمبر 2025
من ديترويت إلى وادي السيليكون


جون تامني *
الناس ليسوا عبئاً، ولا وجود لشيء اسمه «وظيفة مسروقة». انظروا إلى ديترويت قبل أكثر من مئة عام، حيث توافد آلاف الباحثين عن فرص عمل في صناعة السيارات. لم يُقلص هذا التدفق تلك الفرص، بل وسّعها. والسبب واضح: كلما زاد عدد العاملين معاً، زادت فرص التخصص، وكلما تعمق التخصص ارتفع الإنتاج والإبداع، وظهرت حاجات جديدة تتجاوز مجال التخصص نفسه.
لهذا السبب، ازدهرت ديترويت مع صعود صناعة السيارات، لكنها لم تخلق فقط وظائف في خطوط التجميع، بل أطلقت أيضاً فرصاً لمهن وخدمات لم يكن لها صلة مباشرة بالسيارات، من البناء إلى الضيافة مروراً بالتعليم والخدمات الطبية.
وما كان صحيحاً آنذاك لا يزال صحيحاً اليوم. فالتدفق المستمر للعقول إلى وادي السيليكون ليس تهديداً للموجودين هناك، بل بالعكس، يرفع تقسيم العمل في بيئة متكاملة من حجم الإنتاجية إلى مستويات غير مسبوقة، ويوفر وظائف في مجالات متعددة، معظمها بعيد عن التكنولوجيا نفسها.
لكن هذا المنطق البديهي يتعرض للتشويه مع تنامي الهجوم الإعلامي على العولمة. ويحاول كتاب جديد للصحفي ديفيد لينش من «واشنطن بوست»، بعنوان «أسوأ رهان في العالم»، أن يرسم صورة قاتمة لما يراه «سلبيات العولمة». غير أن الحقيقة أبسط بكثير، إذ لا وجود لما يُسمى جانباً مظلماً للعولمة، لأن تقسيم العمل عبر الحدود لا يفقد عبقريته لمجرد أن الأيدي التي تنتجه تنتمي إلى دول مختلفة. فما ينجح محلياً ينجح أكثر على المستوى العالمي، في حال زاد عدد المشاركين وتكاملت الأدوات.
وهذا ليس تنظيراً فارغاً. فمنذ التسعينات، يشير منتقدو العولمة إلى الارتفاع الكبير في الواردات الأمريكية بوصفها دليلاً على فشل الدولة. لكن هنا تكمن المفارقة، فارتفاع الواردات ليس علامة ضعف، بل دليل ازدهار. لأن العالم لا يصدّر منتجاته إلى أسواق متدهورة، بل إلى اقتصادات نابضة بالنمو.
لذلك، فإن استيراد المزيد يعني بالضرورة إنتاج المزيد. والواردات ليست سوى مرآة للصادرات. وبفضل هذا الترابط، ارتفعت إنتاجية الأمريكيين إلى مستويات لم تكن ممكنة في ظل الانغلاق الاقتصادي السابق.
أما القول إن العولمة «خذلت» بعض الأمريكيين، فهو يناقض الواقع. ولو كان صحيحاً، لكنا شهدنا تراجعاً في تدفق السلع والخدمات الأجنبية إلى السوق الأمريكية. لكن ما حدث هو العكس، الواردات تتدفق بكثافة، ما يعني أن الاقتصاد ما زال جاذباً ومزدهراً.
من هنا، تحتاج أطروحة لينش عن الرهان الخاسر إلى إعادة نظر، تماماً كما يحتاج التفسير السائد لظاهرة ترامب إلى مراجعة. فجاذبية ترامب لا تتعلق بالأيديولوجيا والسياسة كما يُفترض غالباً، وليست بالضرورة نتيجة «خيبة اقتصادية»، بل قد تكون مرتبطة بعوامل أخرى أبعد من الاقتصاد المباشر.
الحقيقة أن الناس لا يخسرون بسبب الآخرين، بل إن البعض يخسر لأنه لم يستفد من الفرص الجديدة التي وفرتها العولمة وتقسيم العمل. وهذه ليست مشكلة السياسة العامة ولا خطأ التعاون العالمي، بل سوء تقدير فردي في التعامل مع الفرص.
لذا، يُعد الحديث عن «الأمريكيين المنسيين» مجرد شعار سياسي لا يصمد أمام الأرقام. فالعولمة لم تنسَ أحداً، بل وسّعت السوق وأوجدت فرصاً لم تكن لتخطر على البال. لكن من يرفض التكيف أو يصرّ على الانغلاق، لا يمكن لأي سياسة حكومية أن تنقذه من نتائج خياره.
العبرة من هذا الكلام واضحة، وهي أن البشر ليسوا عبئاً اقتصادياً على بعضهم، بل قوة. ولم تُقصِ أي موجة انفتاح، سواء في ديترويت القرن العشرين، أو في وادي السيليكون اليوم، أو عبر موجات التجارة العالمية، أحداً، بل فتحت أبواباً جديدة لمَن أراد الدخول. أما من بقي خارجها، فلا يلوم النظام القائم الذي نسيه، بل نفسه، لأنه هو من أخطأ الطريق.
* محرر ومستشار اقتصادي، ورئيس معهد «بارك فيو» الأمريكي (ريل كلير ماركيتس)

8 أبريل 2025
قوة الدولار ليست خياراً

جون تامني*

يرى البعض أن سيد البيت الأبيض الحالي دونالد ترامب يُلحق ضرراً بالغاً بعهده الرئاسي. ولا نتناول في هذا المقال ملف الرسوم الجمركية، فالضرر الاقتصادي الأكبر من الرسوم هو انخفاض قيمة العملة الأمريكية، وجموح الذهب لأعلى تقييم، ما يعني أن الدولار في أدنى مستوياته على الإطلاق.
وعلى أقرب المقربين من ترامب أن يتحدثوا بصراحة عن وضع الدولار. هذا يعني أن على سكوت بيسنت ولاري كودلو، ومستشارين اقتصاديين آخرين، أن يُخبروه بما لا يريد سماعه. وهو أنه باتباعك المسار الاقتصادي الحالي للدولار، تُخاطر سيدي الرئيس بسلك النهج الاقتصادي المتعب الذي سلكه رؤساء مثل ريتشارد نيكسون وجيمي كارتر وجورج دبليو بوش.
إن هؤلاء الرؤساء الثلاثة أمثلة على ما يُدركه كودلو جيداً، حيث لا يمكن لأي دولة أن تُقلل من قيمة طريقها نحو الازدهار. ولا مفر من هذه الحقيقة الاقتصادية الراسخة والمتجذرة في ملاحظة هنري هازليت، التي تقول: «ما يضر الفرد أو يُدمره، لا بد أن يُضر أو يُدمر مجموع الأفراد الذين يُشكلون الأمة بنفس القدر». وعليه فإن انخفاض قيمة الدولار مُضر، وغالباً ما يكون كارثياً على الولايات المتحدة كدولة وأفراد ولأسباب واضحة.
أولاً، يكسب الأمريكيون الدولارات، أي أنهم يكسبون ما يُمكن استبداله بهذه العملة. ومع انكماش قيمة الدولار القابلة للاستبدال، يُحرم هؤلاء من ثمار عملهم. وهذا أمرٌ أساسي.
ثانياً، لا يُمكن تكرار القول دوماً بأنه لا وجود لشركات ولا لوظائف دون استثمارات أولية. فلا يُمكن لأي مدرسة فكرية اقتصادية التهرب من الحقيقة السابقة. فكر في الأمر واضعاً الاستثمار في المقام الأول، عندما يُوظِف المستثمرون ثرواتهم، فإنهم يسعون جاهدين لتحقيق عوائد وتدفقات دخل مستقبلية بالدولار.
وهذا يعني أن انخفاض قيمة الدولار يُمثل ضريبة متزايدة على الاستثمار، تدفع القادرين (نعم، الأغنياء) إلى استثمار ثرواتهم بشكل متزايد في أصول مادية أقل عرضة لانخفاض القيمة، مثل الأراضي، والعقارات، والذهب وغيرها، وكل هذا يأتي على حساب الاستثمار في مصادر دخل الأسهم والسندات التي تُمثل ثروة لم تُخلق بعد.
وأمام أصحاب الثروات خيار إما خلق الثروة أو حمايتها. ويُحفز ضعف الدولار حماية الثروة على حساب خلقها الذي يتجلى في الابتكارات الناشئة، والشركات التي تبني على هذا الابتكار، والوظائف الحتمية التي تنجم عن كل هذا التقدم. وبهذا الصدد، يريد ترامب أن يكون رئيساً معروفاً بتهيئة الظروف المصاحبة لتزايد الفرص، ولكن بمواصلته اتباع مسار الدولار الضعيف بناءً على افتراضٍ خاطئ بأنه يجعل الشركات الأمريكية أكثر تنافسية، فإنه يضع نفسه على طريق الركود الاقتصادي الذي ارتبط بوضوحٍ برئاسات نيكسون وكارتر وبوش. وكودلو يدرك كل هذا مجدداً.
لطالما كان لاري كودلو على استعداد لمدح وثناء أي طرف إذا ما اتخذ القرار الصائب، وقد عبّر عن النجاح الاقتصادي للرئيس كلينتون بفعالية أكبر بكثير مما فعل فريقه. وكان يعلم جيداً أن الدولار القوي يفيد الأمريكيين مرتين: فهم يحصلون على المزيد مقابل عملهم، ويحصلون على وظائف أفضل فأفضل، لأن الدولار القوي يجذب الاستثمارات ذاتها التي تُحفز ظروف العمل المحسّنة وتعوضها باستمرار.
والرئيس ترامب ليس استثناءً. فلا أحد يُقارَن بأهم قيمة في العالم، وهي الدولار. وانخفاض قيمة العملة الأمريكية العالمية هو بداية طريق الفشل حكماً، دائماً، وفي كل مكان. وعلى أقرب مستشاري ترامب التفكير في الرئيس وإرثه بما يكفي لإخباره بما قد لا يرغب بسماعه، ولكنه مُجبر على ذلك.
إن النجاح الاقتصادي الحقيقي لا يتحقق من خلال حلول قصيرة المدى مثل خفض قيمة العملة، بل من خلال سياسات تعزز الإنتاجية، وتدعم الاستثمار، وتحافظ على مكانة الدولار كعملة عالمية موثوقة. وإذا أراد ترامب أن يُسجل اسمه بين القادة الذين قادوا بلادهم إلى ازدهار طويل الأمد، فإن أول خطوة عليه اتخاذها هي تصحيح المسار، والاستثمار في قوة الدولار بدلاً من التضحية بها.
فالحفاظ على قوة الدولار ليس خياراً، بل ضرورة استراتيجية لضمان استمرار التفوق الاقتصادي للولايات المتحدة، وتهيئة بيئة جاذبة للاستثمارات، وتحقيق ازدهار مستدام للأفراد.
*محرر ومستشار اقتصادي، ورئيس معهد
«بارك فيو» الأمريكي «ريل كلير ماركيتس»

11 فبراير 2025
مقامرة ميلي.. وصندوق النقد

جون تامني*

«لا ينفد مال أي فرد أو شركة أو دولة على الإطلاق، إن ما ينفد من هذه المكونات الثلاثة هو ثقة المستثمرين». تتكرر هذه المقولة الحقيقية بشكل مستمر في ضوء تقرير إخباري حديث عن خافيير ميلي، رئيس الأرجنتين. تقريرٌ أشار إلى ما هو معروف جيداً، وهو أن الرئيس دونالد ترامب من أشد المعجبين بميلي، وبأن الأخير يعتقد بشكل راسخ أن طريق الأرجنتين للعودة إلى الرخاء أساسه حكومة تفرض الضرائب، وتنفق، وتنظم، وتفرض التعريفات الجمركية، وتخفض قيمة العملة أكثر.
ومؤخراً، نشر موظفو صندوق النقد تقييماً لبرنامج الأرجنتين الذي بلغ في الأصل إجمالاً 44 مليار دولار، وهو ثاني أكبر برنامج للصندوق في التاريخ بعد اتفاق أبرمه مع الأرجنتين أيضاً في عام 2018. ووفقاً لقواعد الصندوق، لا يمكن لدولة تتمتع «بوصول استثنائي» إلى أموال صندوق النقد مثل برنامج الأرجنتين أن تطلب برنامجاً جديداً حتى ينتهي ما يُسمى بالتقييم اللاحق للبرنامج السابق.
إن ميلي ليبرالي بالطبع، وبصفتــــه كذلك فهـــو يدرك أن الاقتصاد ليس أكثر من مجموعة من الأفراد. وبأن الاقتصادات الأساسية لا يمـكن أن تتحسن إذا فُرضت عليها مزيد من الضرائب، وإذا أنفق المزيد من وقت العمل والجهد على اللوائح والجهات التنظيمية، أو إذا قُيدت القدرة على التبادل مع المنتجين الآخرين بالرسوم الجمركية، وخُفضت قيمة ثمار الإنتاج.
وكما قال الصحفي والخبير الاقتصادي الأمريكي هنري هازليت، «إن ما هو ضار أو كارثي للفرد يجب أن يكون ضاراً أو كارثياً بالقدر نفسه لمجموعة الأفراد الذين يشكلون أمة». وإذا طبقنا اقتباس هازليت على الضرائب واللوائح والتعريفات الجمركية وخفض قيمة العملة، فلن نخسر أبداً نقاشاً أو حواراً اقتصادياً.
إن الأمر المحبط بعض الشيء هو أن ميلي يعرف كل ما سبق، وأكثر من ذلك. ولهذا السبب كان من المخيب للآمال أن نقرأ أنه يأمل في استخدام علاقته بترامب للحصول على مليارات الدولارات في تمويل جديد من صندوق النقد الدولي.
دعك من السجل السلبي لصندوق النقد الدولي في تقديم النصائح، فما يثير خيبة الأمل في رغبة ميلي الحصول على دعم صندوق النقد الدولي هو أنها تدوس في المقام الأول على الحقيقة الأساسية المتمثلة في أن أي دولة تفعل ما تفعله الأرجنتين لن تحتاج أبداً إلى قرض من صندوق النقد الدولي. وإذا كنت لا تزال في حيرة من أمرك، عُد إلى السطر الأول من مقال الرأي هذا. وبعد ذلك تابع.
إن الأفراد والشركات والدول التي تفعل الشيء الصحيح ليست بحاجة إلى القلق بشأن كسب ود أي شخص للحصول على التمويل لأي شيء، وذلك ببساطة لأن الأسواق رائعة، والأسواق تكافئ الحكماء.
ولا شك أن عدداً ليس بالقليل من الليبراليين والمحافظين يزعمون في الوقت الحاضر أن اقتراض الحكومة يرتبط تلقائياً بالتضخم (وهذا التلميح يشير إلى غباء السوق الملحوظ)، لكن الواقع يؤكد أن أولئك الذين يعملون بطريقة صديقة للسوق يجعلون العالم يصطف لشراء ديونهم. بعبارة أخرى، لا تحتاج الأرجنتين إلى صندوق النقد الدولي إذا كانت تفعل بالضبط ما يقول رئيسها في خطاباته إنها تفعله.
وإذا ما شرحنا الأمر بمزيد من الوضوح، فإن سعي ميلي للحصول على تمويل من صندوق النقد الدولي لن يكون مجرد فعل من جانب الليبراليين لشيء يتعارض تمام التناقض مع ليبراليته المزعومة، بل إنه يعني ضمناً أن الإصلاحات التي يشرف عليها ليست فعّالة بالقدر الذي يظنه الكثير من أنصاره، وهو ما يلمح إليه الرئيس الأرجنتيني.
والأسوأ من ذلك، وكما قيل مراراً وتكراراً، إنه لا وجود لما يسمى بالمال المجاني. وصندوق النقد الدولي ليس مختلفاً في هذا الصدد. ففي أخذه للمال من المؤسسة الأممية، سوف يكون ميلي ملزماً باتباع نصائح وتعليمات الصندوق، وبلاده بغنى عن ذلك.
وبدلاً من هذا، ينبغي لميلي أن يؤمن بما يفعله، فالحرية ستؤتي ثمارها في نهاية المطاف. وإذا حُررت الأرجنتين من القيود الاقتصادية، فيتعين على ميلي أن يمضي قدماً وهو على يقين من أن بلاده لن تحتاج إلى أموال صندوق النقد الدولي فحسب، بل ولن تقبلها أبداً لو عُرضت عليها بالمجّان.
*محرر ومستشار اقتصادي، ورئيس معهد «بارك فيو» الأمريكي