في أثناء إقامة بابلو بيكاسو في باريس، وخلال احتلال الألمان للمدينة، وصلت مجموعة من الجنود إلى مرسمه وكان هو بالقرب من لوحته الشهيرة «الغارنيكا»، وبينما كان الجنود يفتشون المرسم، توقف أحدهم، وأشار الى اللوحة وهو يسأل بيكاسو: هل أنت من فعل هذا؟؟، وهنا، ردّ عليه بيكاسو قائلاً: «لا بل أنتم مَنْ فعلتم هذا»، ولحسن الحظ أن الجندي لم يدمّر اللوحة، ولم يقتل بيكاسو، وبالطبع، لم يكن موقف الجندي الألماني نبلاً عسكرياً مثلاً، أو حبّاً بالفن، والأرجح، أنه لم يعرف موضوع اللوحة، وإنما كان يبحث عن السلاح في زمن الحرب..
وفيما لو وجد ذلك الجندي بندقية أو مسدساً أو حتى عبوة ناسفة في مرسم بيكاسو، فإن الأمر قد لا يتعدّى مصادرة السلاح واستجواب الرسام، لينتهي الأمر عند ذلك الحدّ، وفي أسوأ الأحوال اعتقال بيكاسو، وربما سجنه، لا بسبب اللوحة، بل، بسبب السلاح.
الكثير من أسلحة الحرب العالمية الثانية هي الآن خردة صدئة أو فولكلور معدني بائس، في متاحف الذاكرة الحربية أو العسكرية، لكن، لوحة «الغارنيكا» إن كانت في اللوفر في باريس الآن، أو في أحد المتاحف الاسبانية، فإنها ذاكرة ثقافية مفتوحة الى الأبد على تاريخ مدينة دمّرها الطيران بلا هوادة وبلا أخلاق، لتعيش اللوحة أكثر من الطائرة التي كانت تدكّ المدينة وتحوّلها إلى رماد وركام.
وأيضاً، ماذا عن الطيّار أو الطيّارين الذين ضربوا غارنيكا بالقنابل؟؟، ما أسماؤهم؟؟، وماذا عن تاريخهم المهني والأخلاقي؟، هل لهم أحفاد أو سلالة عائلية تفخر بهم، وتحتفظ بصورهم التذكارية في (ألبوم) العائلة؟؟، وفي موازاة هذه الصيغة التساؤلية.. ماذا عن بابلو بيكاسو؟، من هو؟، وأين هو؟.
لا مقارنة بالطبع بين ذاكرتين، لا مقارنة بين اللوحة والمسدس، أو بين الجنرال والرسام، فقط، وباختصار مهم، تذهب الحرب ويبقى السلام. يذهب العنف ويبقى الأمل والجمال، ثقافة الموت إلى زوال مؤكد، والبقاء اليقيني بالكامل لثقافة الحياة.
لا أدري الآن أين ومتى قرأت ذات يوم حكاية جندي كان يكتب الشعر وهو على الجبهة، كان يكتب كثيراً عن الطيور ويخبّئ ما يكتبه أحياناً تحت خوذته، أو في الجراب المخصص للاحتفاظ بأمشاط الرصاص، وحين قتل في إحدى المعارك، حمله صديقه في الجبهة أيضاً، ووجد قصاصات أوراق الشعر في الخوذة وفي جراب الرصاص، أخذ القصاصات واحتفظ بها، واستطاع العودة الى دياره وديار صديقه الشاعر القتيل، وأعطى كل ما وجده من ورق الى أمه، ثم عاد الى الحرب..
تقول أم الجندي الشاعر إن كل ما تبقّى من ابنها هو هذا الورق وهذه القصائد، وفقط لو أنها حصلت على الخوذة، لتصنع منها عشاً للحجل الذي كان يحبّه شاعر الطيور..
ثمة في الحروب، ما هو أسوأ من الحروب، وفيها أيضاً ما هو أجمل منها.. مثل عش في خوذة..
