انتهى المشوار السياسي لرئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر بعد أن قاد حزب العمال إلى ثاني انتصار في تاريخه في الانتخابات التي جرت في يوليو/ تموز 2024، حيث فاز ب412 مقعداً من أصل 650 مقعداً في مجلس العموم، منهياً 14 عاماً من حكم حزب المحافظين.
لم تكن استقالة ستارمر بسبب أزمة واحدة، بل كانت نتيجة تراكمات سياسية داخل حزب العمال الذي يترأسه باستقالة مجموعة من الوزراء، وتراجع شعبيته، وسوء نتائج الانتخابات المحلية الأخيرة، حيث خسر نحو 1200 مقعد و27 مجلساً محلياً، إضافة إلى قرارات اقتصادية مثيرة للجدل داخل حزبه وفي الرأي العام.
ومن بين الأزمات التي لاحقت ستارمر فضيحة تعيين بيتر مادنلسون سفيراً لبريطانيا في واشنطن، والذي كشفت التحقيقات عن علاقته بالملياردير الأمريكي المتهم بالاتجار بالقاصرات جيفري إبستين.
كما لم ينجح ستارمر في بناء صورة سياسية مؤثرة منذ أيامه الأولى في الحكم، ما أدى إلى انخفاض شعبيته، وبروز أحزاب أخرى على حساب حزب العمال مثل «حزب إصلاح المملكة المتحدة» بزعامة نايكل فاراج و«حزب الخضر».
بعد هذه الاستقالة سوف يفتح حزب العمال باب الترشيح لقيادة الحزب في 9 يوليو/ تموز، تمهيداً لانتخاب زعيم جديد يتولى قيادة الحكومة، قبل عودة البرلمان من عطلته في سبتمبر/ أيلول المقبل. ومن أبرز المرشحين آندي بيرنهام عمدة مانشستر الذي فاز في الانتخابات الأخيرة، وويسلي ستريتينغ وزير الصحة، وراشيل ريفز وزيرة المالية، وأنجيلا راينر نائبة زعيم الحزب، وشبانة محمود وزير المالية، لكن بيرنهام يعتبر في موقع متقدم بين بقية المرشحين بسبب شعبيته العالية، وقدرته على التواصل مع الناخبين في شمال إنجلترا، وهي منطقة حاسمة انتخابياً، وهو إضافة إلى ذلك سياسي يتمتع بكاريزما وقدرة على التواصل وشخصية أكثر دفئاً، لكن بعض المحللين يحذرون من التوجه اليساري لآندي بيرنهام، حيث من المتوقع أن يقود الحزب إلى توجهه عبر زيادة دور الدولة وفرض ضرائب أعلى، وربما التوسع في التأميم أو التشدد التنظيمي، ما يضع الحكومة أمام تحديات اقتصادية صعبة، كما أن نجاح بيرنهام إن تولى المنصب بدلاً من ستارمر سيختبر قدرته على التوفيق بين الطموحات السياسية والوقع الاقتصادي لبريطانيا، إضافة إلى قدرته في التصدي لصعود حزب «إصلاح المملكة المتحدة» بصورة أكثر فاعلية من ستارمر.
لقد وصل ستارمر إلى السلطة من دون خبرة طويلة في السياسة، بوصفه رجل إدارة كفؤ مع خلفية قانونية في مجال حقوق الإنسان، وعمله السابق مدعياً عاماً، لذلك وجد نفسه وسط فوضى سياسية وصراع حاد بين الأحزاب، فلم يتمكن من خوض مغامرات ضرورية في ملفات الضرائب والهجرة والرعاية الاجتماعية، وفي تقديم رؤية سياسية مقنعة للناخبين.
ووفقاً لما ذكرته صحيفة «فايننشال تايمز» عن مقربين عملوا مع ستارمر، أنه «دخل رئاسة الحكومة من دون برنامج حكم واضح ومن دون نظرية للتغيير»، وأنه كان يتعامل مع كل قضية «من دون خبرة عميقة، ما جعل المقربين منه غير متأكدين مما يريد تحقيقه فعلاً».
دخلت بريطانيا مع استقالة ستارمر مرحلة غير واضحة سوف تتحدد معالمها قريباً مع اختيار رئيس جديد للحزب وتشكيل حكومة جديدة.