الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

ليلة الثلج..

28 يونيو 2026 00:10 صباحًا | آخر تحديث: 28 يونيو 00:10 2026
دقائق القراءة - 2
شارك
share
أتذكّر، وفي عمّان، قبل نحو ثلاثين عاماً أن التقيت الشاعر عبدالوهاب البياتي في ليلة شتائية وكان الثلج يسقط بغزارة في تلك الليلة التي تحدّث فيها «أبو علي» أمام موقد النار وقد انعكس اللهب على وجهه الحزين دائماً، وبخاصة، حين يأخذه الحديث عن امرأة غامضة في حياته اسمها عائشة، وقال لي فيما كان الثلج يسقط في الخارج فوق شجر السرو: كانت هناك ملائكة كثيرة في حياتي تقول لي سِرْ، ولا تلتفت وراءك، وإلّا، حلّت عليك اللعنة، لذا، فإنني لم التفت إلى الوراء طوال حياتي..
سألته: ألا تلتفت إلى الوراء.. حتى لو كان هذا الوراء قبر امرأة؟، قال البياتي: لا، لأنني لا أزور قبور الأحبّاء الذين خلّفتهم ورائي بل أحملهم في كلماتي وحدقة عيني وفي توابيت من نور..
صمت البياتي قليلاً، وهنا، ذكّرته ببيت الشعر الذي يقول: لولا الحياءُ لهاجني استعبارُ، ولزرتُ قَبركِ والحبيبُ يزارُ.. فقال لي: هذه صورة هزلية لرجل أو شاعر، فلماذا الحياء إذا كان يرى هذه المرأة ويكلّمها وهي حية، فلماذا الحياءُ منها ومن الآخرين وهي ميتة..
كنت أستدرج البياتي إلى الحديث عن عائشة، هذا الرمز الذي يكثر ويتجدد في شعره، وربما في حياته، فقال لي: عائشة ليس لها قبر معين، لأنها لو كانت قد ماتت لكان لها قبر، فهي ميتة وحية، حاضرة وغائبة، أو أنها لم تولد بعد لأنها لا تزال كلمة، وبعبارة أخرى «في البدء كانت الكلمة»..
كان البياتي في تلك اللية العمّانية يرتدي معطفاً أسود طويلاً تحته بدلة كحلية اللون وربطة عنق، كعادته دائماً بهذه الأناقة التي تليق بشاعر كبير، مع أنه يرفض هذه الصفة، ويلوذ بذاته الأنيقة، ولم أره ولو مرة واحدة في ثياب هزيلة، كأنما هو دائماً على موعد مع عائشة تلك..
نساء الشعراء اللواتي يتحولن إلى رموز في القصيدة وفي الحياة وفي الذاكرة، هن روايات مضمرة وذائبة في حَيَوات أولئك الشعراء: إلزا في حياة أراغون، وماتيلدا في حياة نيرودا على سبيل المثال لا الحصر، نساء موجودات عادة من الغموض أو الصراحة المطلقة، يتحوّلن في الشعر إلى تاريخ، تاريخ الشاعر، وتاريخ القصيدة، كائنات لا تُنسى، يظهرن مثل نجم سهيل، ثم يختفين في الحضور والغياب، يأتين ولا يأتين. وُلِدْنَ أو لم يولدن بعد، ليس لهن زمان ولا مكان، تماماً مثل عائشة البياتي.
أمس، وبعد ثلاثين عاماً على ليلة الثلج تلك بصحبة عبدالوهاب البياتي، مررت على السرو في محيط الجامعة الأردنية في عمّان، سألت الأشجار عن عائشة أخرى كانت هنا ذات يوم، لكن الشجر لا يتكلم إلّا إذا سقط عليه ذلك الشرشف الأبيض الهابط من السماء، وأنت أيها الشاعر الآن في أوّل الصيف، اذهب واسأل الشمس. شمس العالم كلّه واحدة، إنها العين العسلية الحارّة التي ترى الشاعر، وترى قصيدته التي لم تكتب بَعد..

logo اقرأ المزيد

الأكثر قراءة