.. وجدت في قراءة معاجم اللغة العربية، وأشهرها وأوسعها وأكثرها منهجية علمية يأتي المعجم التاريخيّ للغة العربية، أقول وجدت في هذه القراءة، وهو اجتهاد شخصي، أننا نستخدم نحو 10% فقط من لغتنا العربية في التعامل الثقافي والإعلامي والكتابة والأدب، تحديداً الأدب الحديث، وباقي اللغة نائم في المعاجم..
قبل أن أكمل فكرتي هذه، أقول للقارئ العزيز، لماذا المعجم التاريخي للغة العربية الذي صدر في 127 جزءاً في الشارقة هو الأكبر والأكثر إحاطة بلغة الضاد، لغة الكنايات والاستعارات والاشتقاقات العديدة؟.. ببساطة علمية لأنه يتضمن 73000 مدخل لغوي، ويغطّي أكثر من 21.5 مليون كلمة، ويتضمن 351000 شاهد تاريخي، ويستند إلى 11300 جذر لغوي.
وجدت في قراءة المعاجم أن كل الكلمات التي كنت أسمعها من جدّتي وجدّي وأبي وأمي الذين جميعهم لم يحظوا بنعمة التعليم والمدرسة والقراءة، هي فصحى تماماً، ووجدتها بالحرف في المعاجم، أي أنّ عامية ذلك الجيل غير القارئ هي فصحى، وجذورها اللغوية موجودة في المعاجم.
وجدت أن الإبل وكل ما يتعلّق بها من أسماء وأصوات وأماكن شرب وَكَلأ وولادة ومشي وصفات وسلالات وعادات، إنما هي معاً أساس للغة العربية، وأيضاً، إن كل ما يتعلّق بالخيل له صلة مباشرة باللغة، وكذلك بعض الطيور والنباتات.. أي أن هذه البيئة التي أساسها البادية والصحراء هي في الأصل بيئة اللغة العربية الأصلية..
تقول المعاجم إن الإبل لا واحد لها من لفظها، وهناك أكثر من مئتي كلمة هي ذات صلة بالإبل: وإليك القليل من هذه المفردات: فالموضع الذي ترعى فيه الإبل هو (المحمض)، أما (الحُمول)، فهي الإبل التي عليها الهوادج، سواء أكان فيها نساء أم لم يكن، وحنين الناقة هو صوتها في نزاعها إلى ولدها، والحوار: ولد الناقة، وَحَوّزَ الإبل: ساقها إلى الماء، والحائل: الأنثى من ولد الناقة، والحومُ: القطيع الضخم من الإبل، وإلى آخره من سردية لغوية ممتعة ورائعة محورها الإبل التي نراها، ونتعجب في خلقها، فإذا بها مخزن للغة يقوم على المئات من الكلمات الجميلة، ويصبح بها النص الأدبي أكثر جمالاً، ولكننا في حقيقة أمرنا لا نستخدم من مئات الكلمات هذه سوى: البعير، والجمل، في أكثر الحالات..
الخيل، كما ذكرت لك، هي مخزن لغوي آخر، ولكننا لا نستخدم سوى: الحصان، والفرس، والمهر في أكثر الحالات أيضاً.
والسؤال هنا، هل تموت تلك الكلمات أو المفردات الموجودة في المعاجم لأنها غير مستعملة في لغة الأدب المعاصرة؟.. الجواب لا، لأنه طالما هناك معاجم بحجم المعجم التاريخي للغة العربية، فإن العودة إلى قراءة تلك المعاجم هو إحياء للغة، ثم، إن كثرة استعادة تلك الكلمات المعجمية من خلال القراءة اليومية المنتظمة تعمل، فعلاً، على إحياء ذلك الكنز المعجمي الذي سنعرفه، حين نقرأه..
