الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

شاعر يراقب الجثث

26 يونيو 2026 00:09 صباحًا | آخر تحديث: 26 يونيو 00:09 2026
دقائق القراءة - 2
شارك
share
.. عرف جوزيف برودسكي ثلاث مهن في حياته، كما جاء في سيرته التي أعدّها الشاعر والمترجم غازي مسعود تحت عنوان (المنفى المستحيل)، وأوّل ما عمل مشغّلاً لآلة في مصنع ينتج آلات زراعية ومكابس هوائية، ثم عمل في وظيفة ثانية لا تخطر على بال أحد، فقد كان مراقباً في معرض جثث في أحد المستشفيات، ومن هذا العمل الغريب والمخيف كان يعمل جيولوجياً، ثم انتقل إلى الحصاد وقطع الأشجار، قبل أن يفوز بجائزة نوبل للأدب عام 1987.
حاكمه الرّوس في مرافعات قضائية مضحكة، ومن حيثيات محاكمته أنه طفيلي، لأنه يبدّل عمله كثيراً، ولم تنظر المحكمة إلى الشاعر أو روح الشاعر في داخله، فلا بدّ من تهمة تأتي على مقاس الشاعر الذي كان يرى أن الكائن البشري مخلوق جمالي قبل أن يكون مخلوقاً أخلاقياً.. «.. هكذا، ليس الفن، وبخاصة الأدب، إنتاجاً ثانوياً لتطوّر الجنس البشري، بل العكس تماماً، فإذا كان ما يميزنا عن أعضاء آخرين في المملكة الحيوانية هو الكلام، يكون الأدب، وبخاصة الشعر، باعتباره أعلى أشكل التعبير هدف جنسنا..»، ترجمة: غازي مسعود..
هكذا كان يفكّر مراقب الجثث ذاك، ولكنه قبل أن يتحوّل إلى جثة على يد البوليس، اختار المنفى المستحيل، أحب المكسيك، وكتب شعراً أهداه إلى أكتافيو باث، وكان يقول لسنا زيوتاً أو تماثيل لنمنع تشويه حياتنا، كما يحب المرء ويرغب.
ولكن ماذا عن لندن؟؟ إنها كما يقول في إحدى قصائده «بلد جميل، وبخاصة تحت المطر الذي لا يجب أن يُوقَف بقبّعات القماش أو التيجان. في مثل هذا الطقس، وحدهم الذين يصنعون المظلّات يستطيعون الاستيلاء على العرش..».
لم يتح لجوزيف برودسكي أن يعمل صانع مظلّات، واختار قطع الخشب لا قطع الأعناق، والجيولوجيا التي جرّبها أفضل بكثير من وظيفة عميل سرّي، وعنده كان العمل في مصنع زراعي أنبل مئة مرّة من العمل في مصنع نووي..
كان يقول «لينين كان متعلّماً، وكان ستالين متعلّماً، وكذا كان هتلر، أما ماو تسي تونغ فقد كتب الشعر أيضاً، ورغم ذلك، وما يشترك فيه هؤلاء جميعاً هو أن قائمة ضحاياهم أطول من قائمة قراءاتهم..».
كان برودسكي ضمن قائمة الضحايا تلك، ولكنه لم يمت بالطريقة التي أرادها له ذلك الموظف الصغير الذي كان يعمل تحت مُسَمّى: جَلّاد، ثم، ولو كان من بين تبديلات عمله العديدة وظيفة جَلّاد، فإنه ما كان يقبلها أو يمارسها، فإن مراقبة جثة في مستشفى أخف بلاءً من مشاهدة رجل حيّ تحت مقصلة، وإذا سأله مُنَفِّذ الحكم قبل موته ببضع دقائق ماذا يريد، قال: كأس ماء فقط.

logo اقرأ المزيد

الأكثر قراءة