شهد الحضور الروسي في إفريقيا تحولات مفصلية خلال العقد الأخير لاسيما في جنوب الصحراء وغرب إفريقيا، ويميّز المراقبون بين الحضور الروسي في القارة السمراء قبل الحرب في أوكرانيا وما بعدها، حيث كانت الدبلوماسية الروسية في المنطقة قبل الحرب تمثل امتداداً للسياسة الخارجية الروسية المعتمدة مع بداية الألفية الثالثة والتي كانت تعتبر في مجملها جزءاً من مقاربة موسكو لعلاقاتها مع الدول الإفريقية قبل انهيار الاتحاد السوفييتي، بينما غلب على سياستها بعد اندلاع الحرب طابع المواجهة المباشرة مع الدول الغربية، الأمر الذي دفعها إلى مضاعفة وجودها العسكري في دول تعاني هشاشة أمنية مزمنة.
وبدأ يتضح خلال السنة الجارية أن المقاربة الأمنية الروسية لم تعد كافية لإعادة الاستقرار لإفريقيا التي تشهد بعض دولها تراجعاً أمنياً وبخاصة في منطقة الساحل على الرغم من الحضور القوي للفيلق الروسي الذي يواجه صعوبات كبرى في التصدي لهجمات المجموعات المسلحة في شمال مالي، ويشكل التعثر الروسي فرصة مواتية لدول غربية مثل فرنسا وأمريكا من أجل العودة إلى المنطقة اعتماداً على آليات جديدة، تقول: إنها تريد من خلالها إقامة شراكات متوازنة بعيداً عن التدخلات العسكرية المباشرة.
ويمكن القول: إن روسيا سعت منذ بداية نزاعها المسلح مع أوكرانيا إلى فتح جبهة جديدة للمواجهة مع أوروبا وحلف الناتو في أقصى الضفة الجنوبية للبحر الأبيض المتوسط، لتثبت لخصومها الداعمين لحكومة كييف أنها قادرة على منافستهم في مناطق نفوذهم التقليدية في القارة السمراء. واستطاعت روسيا أن تدعم حضورها بناءً على استراتيجية متعددة الأوجه استندت على 3 دعائم هي الأمن والدعم العسكري، الاقتصاد لاسيما ما تعلق منه بتصدير الحبوب واستغلال المعادن، وأخيراً التأثير الثقافي والإعلامي، وتمكنت من تحقيق بعض المكاسب على مستوى الدعامة الأولى والثانية لكنها أبانت عن محدودية قدراتها في فهم ثقافة وتاريخ المنطقة ورهاناتها الجيوسياسة الحقيقية وكل ما يتصل بالخصائص الأنثروبولوجية للشعوب الإفريقية.
ويرى بعض المحللين أن اعتماد موسكو في حضورها العسكري على تشكيلات عسكرية غير نظامية مثل مجموعة فاغنر ثم الفيلق الإفريقي الذي قيل أنه تابع بشكل مباشر لوزارة الدفاع الروسية ومخصّص للقيام بمهام الاستكشاف والدعم للقوى العسكرية النظامية، لم يكن موفقاً لأن القوات الروسية انتقلت بسرعة من خانة الدعم إلى خانة مغايرة أصبحت بموجبها جزءاً من المشكلة.
وعرف الحضور العسكري الروسي في السياق نفسه انتكاسات، جعلت حلفاءها في المنطقة يفكرون بشكل جدي في تنويع شراكاتهم الأمنية للتصدي للتحديات، وكانت أبرز هزيمة تلقتها القوات الروسية في إفريقيا هي تلك التي حدثت في شمال مالي بالقرب من الحدود الجنوبية للجزائر في يوليو/ تموز من سنة 2024.
بيد أن التحدي الأكبر الذي يواجه صانع القرار في روسيا بشأن الحضور العسكري والاقتصادي في إفريقيا، يبقى مرتبطاً بحرب الاستنزاف التي تخوضها موسكو على الساحة الأوكرانية علاوة على العقوبات الاقتصادي والتكنولوجي الذي تفرضه الدول الغربية عليها، والتي تسببت في تقليص مواردها المالية وأضعفت هامش المناورة لديها، وبالتالي فهي لا تستطيع أن تقدم للدول الإفريقية حالياً، ما تقدمه دول مثل تركيا والصين، التي يسمح لها وضعها الاقتصادي والمالي بتقديم إعانات عسكرية واقتصادية من شأنها أن تؤثر في الخيارات السياسية لدول القارة.
ونعتقد أنه على المستويين المتوسط والبعيد، سيكون الحضور الروسي في دول الساحل الإفريقي جزءاً من الماضي، لأنه حضور تأسّس بناءً على ردود أفعال متسرّعة فرضتها حالة الهشاشة الأمنية، وبخاصة أنه ليس هناك نخب عسكرية مؤثرة في المنطقة تربطها صلات تاريخية بالحليف الروسي، ويمكنها من ثم، أن تُبقي على جسور التواصل مع موسكو بشكل متواصل، كما أن وجود جاليات كبيرة من دول الساحل في فرنسا يجعل إمكانية عودة العلاقات مع باريس مرجحة إلى حد بعيد، حتى وإن تم ذلك وفق شروط جديدة، وسيظل بالتالي الحضور الروسي في شمال وشرق إفريقيا أكثر تأثيراً لأسباب تاريخية معروفة.
