يلاحظ المتابعون للشأن الدولي أن هناك تركيزاً غير مسبوق على قضايا التكنولوجيا ودورها المتزايد في تشكيل ملامح نظام دولي جديد، ويرى بعضهم أن هناك ما يشبه التضخم في عدد الخطابات التي تعالج تأثيرات عالم التقنية في العلاقات الدولية، بينما يذهب البعض الآخر إلى أن تأثيرات التكنولوجيا في إعادة رسم النظام الدولي وضبط ميزان القوى بين الدول العظمى هو أكثر خطورة مما نعتقد، وعوضاً عن الحديث عن التضخم يجب التنبيه إلى أن بقاء قسم كبير من الدول خارج سباق الابتكار العلمي والتقني يجعلها مرشحة للدخول في وضعيات من الخضوع أسوأ بكثير من تلك التي أفرزها الاستعمار العسكري المباشر، وهذا ما دفع الأمين العام للأمم المتحدة إلى القول إن «الذكاء الاصطناعي يتطور أسرع من قدرة الجميع على مجاراته».
يشير الباحث آنو برادفورد إلى أن شركات التكنولوجيا تمارس الآن تأثيراً معتبراً في النظام الدولي وتمتلك سلطة غير متناسبة مع حجمها في المجالات الاقتصادية والسياسية والإعلامية والثقافية، وتعيد من ثم تشكيل المجتمعات وحياة الأفراد، وكأننا أمام «حكام جدد» من نوعية مختلفة يمارسون أشكالاً من السيادة غير مسبوقة في عالم لم يعد لا أحادي القطبية ولا ثنائي ولا حتى متعدد القطبية ولكن «تقني القطبية». وتواصل هذه الشركات تحقيق أهدافها بغرض الحصول على أعلى نسبة من الفوائد لصالح المساهمين، وقد تحوّل رؤساء شركات التكنولوجيا إلى فاعلين مؤثرين بالنسبة للحكومات التي تسعى إلى دعم النمو وإلى الدفاع عن مصالحها الجيوسياسية وبخاصة أن التنمية في الدول، باتت تعتمد بشكل متزايد على الابتكار التكنولوجي؛ وتوفر هذه الشركات تكنولوجيات أسياسية لتحقيق الأمن الاقتصادي والقومي، وبالتالي فإن الحكومات تتردّد في تقييد سلطة هذه الشركات وفي بسط مراقبتها على الاقتصاد الرقمي.
ويمكننا القول بالنسبة لحوكمة الدول في المجال التكنولوجي، إن الدولة القومية تمارس مهام المنظِّم، بينما تمارس التكنولوجيا دوراً يضخّم موازين القوى القائمة فعلياً؛ وتحاول الدول من ثم التدخل بوصفها فاعلاً يمارس مهام الحوكمــة، من خـــلال توجــيه سياســـات تصــدير واســـتيراد المنتجات التكنولوجية، كما تفعل واشنطن بالنسبة لتصدير أشباه الموصلات للصين، ما يجعل الدولة تحتكر ما نستطيع وصفه بشرعية ضبط التدفق التكـــنولوجي داخــل الحــدود وخارجـــها. ويــجوز أن نعـــتبر في السياق نفسه أن سيادة الدول على البنية التحتية الرقمية هو امتداد لسيادتها على ترابها الوطني، وبذلك لا تكون السيادة الرقمية بديلاً للسيادة الكلاسيكية كما تم تعريفها منذ معاهدة وستفاليا ولكن تمديداً لها نحو فضاء افتراضي.
ومن الواضح أن الدور المركزي الذي تلعبه تكنولوجيات المستقبل في الصراعات الدولية، يغذي السباق المتسارع على مستوى الابتكار التكنولوجي، لاسيما في مجال الذكاء الاصطناعي الذي يشكّل حلبة الصراع الرئيسية بحسب تقارير دولية تؤكد أن من يضمن التفوق في هذا المجال بحلول سنة 2030 سيمكنه قيادة العالم حتى سنة 2100 ؛ وذلك ما يجعل الذكاء الاصطناعي يتحوّل إلى قاعدة متقدمة للمعارك بين الشركات والحكومات، والعامل الحاسم في مختلف الحروب التجارية والتكنولوجية.
ويجعل هذا التسارع في تيرة المواجهة، العالم يتجه نحو التنافس عوضاً عن التكامل والتعاون على الرغم من سعي أوروبا والهند إلى جعل التكنولوجيا الرقمية متاحة لأكبر عدد من دول الجنوب؛ وتعمل أوروبا في السياق نفسه على وضع تكتيكات مكشوفة ولكنها صارمة وبعيدة المدى من أجل استعادة سيادتها الرقمية المسلوبة من طرف عمالقة التكنولوجيا الأمريكية، في مرحلة تسيطر فيها الشركات السحابية الأمريكية على 70 في المئة من إجمالي السوق الأوروبي.
ونستطيع أن نخلص إلى أننا انتقلنا في وقت قياسي من حالة الاستقطاب الأيديولوجي بين الشرق والغرب إلى وضعية الاستقطاب التكنولوجي، حيث يكون الحليف هو من يعتمد تكنولوجياً على حليفه وليس فقط من يشتري بضائعه وأسلحته التقليدية، ومن ثم فإن الذكاء الاصطناعي كما يشير المختصون لا يعيد فقط توزيع القوة بين الفاعلين الرئيسيين، بل إنه يعيد تأسيس مفهوم القدرة داخل العلاقات الدولية في صورتها الكلاسيكية.
