دون شك، إن ما يحدث على مواقع التواصل الاجتماعي، من بث للشائعات، وكثير من الأخبار الزائفة، وصور ومقاطع مزورة لا تمت للواقع بأي صلة، ليصل الحال إلى صناعة واقع وسردية بأكملها غير حقيقية، يبين المدى الذي وصلت إليه صناعة المحتوى، تساعدها تقنية متطورة تستعين بالذكاء الاصطناعي، وخوارزميات صماء لا تميز بين الصواب والخطأ، وتخدم من يجيد صناعتها والتعامل معها.
ومن هنا، لم يعد ما يقلق ماهية الحقيقة ونوعها، بل الصانع الذي يقف خلف نسخة الحقيقة التي يرغب منا أن نراها من خلاله هو فقط. وبطبيعة الحال هو من يملك التأثير في هذه الحقيقة، إما باستبدالها بأكملها، أو الإضافة، أو النقص.
وكما هو معروف فإنه حتى عصور قريبة، كان الخلاف يقع حول تفسير وشرح وتأويل حدثٍ ما، أما في هذا العصر التقني، عصر الذكاء الاصطناعي، فقد أصبحت المعركة أكثر وضوحاً، وتدور حول صناعة حدثٍ من العدم، وبث الروح فيه بالصوت والصورة، بما لا يترك للآخرين مجالاً للشك.
وكأننا نعيش مرحلة سيولة وتذويب للحقائق، كأن الحدود التي تفصل بين الواقع والافتراض قد انصهرت أو ضعفت، وهذا دون شك يفرض تحديات جسيمة على البشرية بأسرها، لأن القناعات الثقافية والاجتماعية ونحوها، قد تكون مهددة.
لكن المبشر أن هذه الصناعة بأكملها لديها نقطة ضعف واضحة وهي في بيئتها وحاضنتها الطبيعية، وهي منصات التواصل الاجتماعي، التي تعتمد على خوارزميات تعزز الاستقطاب.
ومن هنا يمكننا تلمّس الكثير من الحلول الجوهرية والمنطقية، ولا أقصد هنا الحديث عن أدوات محو الأمية الرقمية، ولا التحقق من جودة الفيديو أو فحص الروابط، ونحوها، لأنها لم تعد كافية لمواجهة التزييف، فهذه التقنية تطور نفسها أسرع من أدوات كشفها.
لذا أجد أننا بحاجة أولاً لإحياء الشك المنهجي الصحي، وزيادة المعرفة بأن سرعة انتشار المادة ليست دليلاً على صحتها ومصداقيتها. أما الثاني فيجب علينا فهم آلية الخوارزميات، وكيف تتلاعب بمشاعرنا الإنسانية، كالغضب والدهشة، ومن خلالها تمرر مواد مزيفة وسامة. أما الثالث فالتركيز على زيادة الوعي للاعتماد على المؤسسات الرصينة المعروفة ذات المصداقية، بدلاً من تلقي المعرفة أو المعلومة عبر مقاطع سريعة.
أعتقد أن معركتنا ليست مع التقنية ولا مع الذكاء الاصطناعي، بل هي مع الإنسان بشكل كامل، ويجب أن نديرها وفق هذه الآلية، ونوظف هذه التقنية والذكاء الاصطناعي، لخدمة الحقيقة، ومنجزاتنا وحضارتنا..
