حين ينتهي أحدنا من كتابة نص أو إنجاز عمل، يشعر برغبة في أن يسلمه كما هو، وهو يظن أن المسودة الأولى كافية. لكن ما يخرج في المحاولة الأولى ليس في أفضل صوره دائماً، حيث الأفكار وُضِعَت على عجل، وبعضها غير مكتمل، وبعضها مكرر أو غير مرتب. المسودة الأولى في الواقع قد تكون جزءاً من العمل وليس نهايته، مهمتها أن تخرج الأفكار من الذهن إلى الورق، دون انشغال كبير بجودتها.
أما المراجعة فمهمتها أن تنظر إلى ما تم إنجازه بنظرة فاحصة، فتحذف الزائد، وتوضح الغامض، وترتب الأفكار. وكثير من النصوص التي تبدو متماسكة ومبدعة، لم تصل إلى تلك الدرجة في أول محاولة، بل مرت بمراجعات حذف منها وأضيف إليها. ومن الأسباب التي تجعل البعض يتجنب المراجعة، كونها أقل متعة من الكتابة الأولى. في البداية يندفع الإنسان مع فكرته، أما حين يعود إلى نصه ليصلحه، فيواجه عيوبه، وهذه تحتاج إلى صبر وإلى استعداد لنقد ما كتب وتعديله. كما أن بعض الناس يتعلق بما كتبه أول مرة، فيصعب عليه أن يحذف جملة تعب في صياغتها، حتى لو كان النص أفضل بدونها.
المراجعة أيضاً لا تقتصر على تصحيح الأخطاء اللغوية، بل تتعداها إلى ما هو أهم. عند إعادة القراءة قد يكتشف الإنسان أن فكرته الأساسية لم تظهر بوضوح، أو أن ترتيب الأفكار يربك القارئ، أو أن جملة طويلة يمكن أن تقال في كلمات أقل. وكلما ابتعد الإنسان عن نصه قليلاً ثم عاد إليه، يراه بعين أقرب إلى عين القارئ وينتبه إلى ما لم ينتبه له وهو منشغل بالكتابة ونقل الفكرة من عقله.
قد يكون من المفيد أن يفصل الإنسان بين مرحلة الكتابة ومرحلة المراجعة، فلا يصحح وهو في طور الكتابة الأولى.
وما ينطبق على الكتابة ينطبق على كثير من الأعمال، فالعمل الذي يخرج بعد مراجعة وتنقيح غير العمل الذي يخرج كما في مرحلته الأولى. الفرق بينهما في ذلك الجهد الذي لا يُرى، لكن أثره واضح. المسودة الأولى لا تنطبق على الكتابة فقط، بل يمكن تعميمها على جميع مشاريعنا والمهام الحياتية، فالفكرة الأولية دائماً تبدو لامعة، لكن المراجعة النهائية هي التي تصنع الفرق بين منجز ضعيف ومنجز ذي جودة عالية.
