تعتبر اللغة العربية من بين أعرق اللغات الإنسانية، بما تنطوي عليه من موروث ثقافي وحضاري، أسهم في تعزيز التواصل بيم مختلف الشعوب والأمم. ذلك أن الكثير من الاتفاقيات والمعاهدات والقوانين كتبت على امتداد التاريخ باللغة العربية.
فعلى امتداد عدة قرون مضت، تم تعريب الكثير من الإسهامات الفلسفية والفكرية لحضارات مختلفة (الفارسية والإغريقية والرومانية..)، فيما تمت ترجمة مجموعة من الكتب العربية إلى لغات حية أخرى أسهمت في إثراء الفكر الإنساني.
وتبرز تقارير الأمم المتحدة إلى أن زهاء نصف مليار نسمة يتحدثون هذه اللغة، التي تُعد لغة رسمية معتمدة في نحو 25 دولة، بما جعلها تستوعب مكونات، اجتماعية وثقافية، متنوعة. حيث تتعايش مع لغات أخرى، كالأمازيغية في المنطقة المغاربية، والكردية في الشرق الأوسط، ما يثري ويحصّن الهوية الوطنية.
وقد جعلت الأمم المتحدة من يوم 18 ديسمبر/ كانون الأول من كل عام، مناسبة للاحتفاء باللغة العربية، وهو التاريخ الذي يتزامن مع صدور قرار الجمعية العامة رقم 3190 (د 28) لعام 1973 الذي أقرّ اعتماد هذه اللغة ضمن قائمة اللغات الرسمية داخل منظمة الأمم المتحدة. وتشكل هذه الذكرى فرصة للتأمل في تاريخ هذه اللغة، واستحضار المكتسبات التي تحققت في إطار تعزيز حضورها، عربياً ودولياً، ثم التفكير في سبل تعميق مكانتها على المستويات، العلمية والتقنية، ومواكبة التطورات، الاجتماعية والاقتصادية والرقمية، في عالم متغيّر.
وفي ظل التحولات الدولية المتسارعة، تطرح الكثير من الأسئلة، حول ما إذا كانت اللغة العربية، بغناها وأصالتها، قادرة على أن تجاري تطور العصر بثورته الرقمية وذكائه الاصطناعي.
حقيقة أن الذكاء الاصطناعي يوفر فرصاً مهمة أمام تعزيز حضور اللغة العربية، بخاصة على مستوى توفير مراجع بهذه اللغة عبر الشبكة الرقمية بالنسبة للباحثين عبر العالم، إضافة إلى ما تسهم به محركات الترجمة من إمكانات للترويج للمراجع والمحتويات بهذه اللغة. كما لا تخفى تأثيراته في ما يتعلق بتطوير المحتويات العربية على شبكة الإنترنت التي طالما ظلت دون عدد الناطقين باللغة العربية، من خلال توفير تطبيقات ذكية تساعد على الكتابة والتحرير بلغة سليمة ودقيقة.
ومع ذلك، ما زالت هناك الكثير من الإشكالات مطروحة، بخاصة على مستوى حضور هذه اللغة في عدد من النظم والتطبيقات الرقمية، إضافة إلى تعدد اللهجات المختلفة التي تتحدث بها شعوب المنطقة.
عموماً، وعلى الرغم من الجهود المبذولة، ما زالت هناك الكثير من التحديات التي تواجه اللغة العربية، بخاصة على مستوى ضعف انتشارها في شبكة الإنترنت، أو قدرتها على مواكبة العلوم التقنية المتطورة. كما أن إقرار عدد من البلدان العربية لغة رسمية بموجب الدستور، كما هو شأن عدد من الأقطار المغاربية، تقابله مفارقة واضحة، بسبب تبنيّ نظمها التعليمية تدريس المواد العلمية كالطب والتكنولوجيا الحديثة والاقتصاد والتدبير باللغتين، الإنجليزية والفرنسية، ما يوحي للنشء بأن اللغة العربية قاصرة عن مواكبة العلوم الحديثة. علاوة على تبنّي الكثير من المؤسسات العمومية وتلك المندرجة في إطار القطاع الخاص للغات أجنبية (الفرنسية والإنجليزية)، ضمن مراسلاتها وتواصلها مع الجمهور.
من جانب آخر، يفرض سوق العمل على الصعيدين، الوطني والعالمي إتقان لغات أجنبية كشرط أساسي للتوظيف، ما يدفع الكثير من الطلاب والتلاميذ إلى التركيز على لغات أخرى غير العربية في مسارهم التكويني.
إن تعزيز حضور اللغة العربية في عالم متسارع ومتطور، بما يمنحها المكانة اللائقة بها بين مختلف اللغات الحية، كلغة تدعم البحث العلمي والتطور الاقتصادي والتكنولوجي، وتحفز النشء على صناعة المحتويات بدل الاقتصار على استهلاكها، لا يعني رفض باقي اللغات الحية، كالإنجليزية والإسبانية والصينية والروسية واليابانية، التي تتيح الانفتاح على مجتمعات وحضارات أخرى، وهو رهان يبدأ بالاقتناع بالثراء الذي يطبع هذه اللغة العريقة بتراكماتها، الفكرية والعلمية والفنية، التي أسهمت في تطور الحضارة الإنسانية، ويتطلب إرساء خطط استراتيجية على قدر من التنسيق والتعاون بين دول المنطقة، من خلال الاستثمار في التكنولوجيا الحديثة والذكاء الاصطناعي، وتكوين نخب ذات كفاءة في مجالَي الرقمنة والذكاء الاصطناعي، وتوفير الدعم اللازم لتطوير قطاعي التعليم والبحث العلمي بصورة تعزز الانفتاح على التكنولوجيا الحديثة، وتوظيفها بما يخدم اللغة العربية، ويعزز إشعاعها وانتشارهاوالعمل على توفير محتويات علمية عربية رصينة في الشبكة الرقمية.
لا يمكن المرافعة بشأن انتشار هذه اللغة عالمياً، وولوجها عالم التكنولوجيا الحديثة، في الوقت الذي تتعرض فيه للتهميش والإقصاء داخل بلدانها، وتبرز الكثير من المعطيات التاريخية أن اللغة العربية لم تكن في يوم من الأيام حائلاً دون تطور العلوم، بمختلف أنواعها، في مراحل مشرقة من تاريخ المنطقة، حيث برز فلاسفة وأطباء وفلكيون ورياضيون، ما زالت آثار إسهاماتهم واضحة على العلوم والحضارة الإنسانيتين.
