الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

الإقليم العربي ومحكّ المخاطر الجيوسياسية

28 يونيو 2026 00:07 صباحًا | آخر تحديث: 28 يونيو 00:07 2026
دقائق القراءة - 3
شارك
share
تعد المنطقة العربية من بين أكثر مناطق العالم المعنية بتفشي المخاطر بمختلف أصنافها، وعلى رأسها المخاطر الجيوسياسية التي لا تخفى تأثيراتها في الاستقرار السياسي والاقتصادي والاجتماعي، خاصة أمام ضعف آليات تدبير النزاعات والأزمات على المستويين الإقليمي والدولي.
يمكن إجمال هذه المخاطر في تمدد النزاعات المسلحة، المتصلة بالطائفية والصراع الدامي على السلطة (سوريا، الصومال السودان، ليبيا)، وأخرى مرتبطة بتدخلات خارجية وحروب بالوكالة (اليمن، لبنان، العراق). وهناك أيضاً إشكالات تتعلق بالأمن الطاقي وتهديد الممرات البحرية، في مضايق استراتيجية تتموقع داخل المنطقة (هرمز وباب المندب وقناة السويس)، ووجود نزاعات إقليمية، تسهم في إرباك البنى النفطية وطرق الإمداد العالمية، ثم تصاعد كلفة النقل والتأمينات البحرية، ما يتسبب في ارتفاع أسعار عدد من المواد الأساسية والطاقية.
وارتباطاً بصراع النفوذ في المنطقة، تتنافس مجموعة من القوى الإقليمية والدولية كالصين، والولايات المتحدة، وروسيا، ودول أوربية، وإيران، وتركيا، لتعزيز وجودهم بالمنطقة، وهو ما أسهم في تمركز عدد من القوات الأجنبية فوق الإقليم العربي.
ومن ضمن المخاطر المطروحة في هذا الصدد أيضاً، هناك المعضلات الاقتصادية والاجتماعية، سواء تعلق الأمر منها بقضايا الأمن المائي (مياه عابرة للحدود العربية)، ومخاطر الكوارث الطبيعية والتغيرات المناخية المقترنة بضعف الجاهزية، إضافة إلى إشكالية المديونية، خاصة داخل الدول غير النفطية كتونس ومصر ولبنان، ثم الهجرة القسرية وما تسببه من ضغط على الخدمات الأساسية كالنقل والسكن والماء الشروب والكهرباء. وهو ما دفع بعدد من البلدان إلى تبني تشريعات وسياسات استعجالية للحد من البطالة والفقر، والاعتماد على المساعدات الدولية للتخفيف من وطأة هذه الصعوبات.
لا تخفى تأثيرات هذه المخاطر الجيوسياسية مجتمعة في صناعة القرار داخل عدد من الدول العربية، من حيث توخي الحذر الاستراتيجي، عبر تنويع شراكات مرحلية، بدل الانحياز لقطب دولي محدد (الصين وروسيا وأمريكا وأوروبا..)، علاوة على البحث عن شراكات بديلة خارج سياق النظام الإقليمي العربي (البريكس والاتحاد الأوربي والاتحاد الإفريقي..).
ثم العمل على تدبير الأزمات المالية، من خلال اعتماد إجراءات نقدية قاسية لمواجهة آثار التضخم الناجم عن ارتفاع أسعار المواد الأساسية والسلع، وارتباك سلاسل الإمداد وتأثر القطاعات التجارية والسياحية، مع الحرص على توظيف إمكانيات الصناديق السيادية - خاصة بالنسبة للدول النفطية - ضمن مشاريع واستثمارات وطنية تدعم العملة الوطنية، بدلاً من التعويل على الأسواق الخارجية التي يشوبها عدم الاستقرار.
إضافة إلى تعزيز الاكتفاء الذاتي، عبر الانفتاح على الطاقات المتجددة، والمشاريع المستدامة في سياق مواجهة اضطراب أسواق النفط والغاز على المستوى العالمي، واعتماد سياسات تقشفية لمواجهة تقلبات الاقتصاد العالمي وتراجع نسب الاستثمارات الخارجية.
كما تتجسد تأثيرات هذه المخاطر في «عسكرة الميزانيات»، وذلك بتخصيص نفقات ضخمة للتسلح في ظل النزاعات الإقليمية والدولية المتزايدة، على حساب الاستثمار في المشاريع التنموية الكبرى كالموانئ والبنى التحتية الأساسية، والقطاعات الاجتماعية كالصحة والتعليم. ثم إعطاء أولوية مهمة للأمن السيبراني في مواجهة الجرائم الرقمية العابرة للحدود (تعزيز البنى التحتية في هذا المجال).
وأمام محك هذه التحديات وفي غياب مقاربات جماعية واستراتيجية، يبدو أن عدداً من الدول العربية قد انتقلت من التركيز على تعزيز برامج التنمية المستدامة، إلى مجرد تدبير الأزمات الطارئة، وتوفير الخدمات والمواد الأساسية داخل المجتمع، وكذا التحوّل من التخطيط الاستراتيجي والرؤية الاستشرافية إلى نهج سياسات مبنية في مجملها على ردّة الفعل.
إن مواجهة المخاطر الجيوسياسية المتصاعدة في المنطقة، يتطلب إرساء سياسات استراتيجية تعزّز جاهزية الدول العربية وتضمن صمودها، عبر مجموعة من التدابير. فعلى المستوى الدبلوماسي، يمكن تبنّي آليات فعالة ومستدامة لتدبير الأزمات الداخلية والبينية ومنع خروجها عن نطاق التحكم، والحرص على تنويع الشراكات مع القوى الدولية الكبرى بعيداً عن الاصطفافات المرحلية، ثم العمل الدؤوب على حل الخلافات والنزاعات البينية، وتطوير أداء جامعة الدول العربية، بما يعزز منظومة الأمن الإقليمي، ويحد من التدخلات الخارجية في المنطقة.
أما على المستوى الاقتصادي، فالظروف الإقليمية والدولية تستدعيان اتخاذ مزيد من التدابير الاحترازية لتأمين سلاسل التوريد وتنويع الشركاء الاقتصاديين، للتخفيف من حدّة تقلبات الأسواق بفعل التهديدات التي تلحق بالملاحة البحرية، كما تتطلب تعزيز مخزون المواد الأساسية من أغذية ومياه ووقود وأدوية..، علاوة على إطلاق مشاريع اقتصادية عابرة للإقليم العربي، مرتبطة بمد الطرق وشبكات الطاقة والتكنولوجيا الحديثة.
وارتباطاً بالمجال الأمني، يمكن للدول العربية أن تعزز تعاونها على مستوى تبادل الخبرات والتجارب العسكرية، وتنسيق الجهود لمكافحة الإرهاب، ومواجهة التهديدات التي تلاحق الأمن الرقمي من خلال إحداث شبكات وهيئات وبنى تحتية مشتركة.
ومن جانب آخر، ينبغي عقلنة صناعة القرارات، من خلال اعتماد المقاربات التشاركية، والانفتاح على مراكز البحث العلمي التي تعنى بالدراسات والأبحاث الاستراتيجية والمستقبلية، وإحداث صناديق سيادية تعمّق الجاهزية فيما يتعلق بتدبير الأزمات المالية والأمنية والكوارث الطبيعية الفجائية.
[email protected]

logo اقرأ المزيد

الأكثر قراءة