الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

الهدن «الأوسطية» ووهم الاستقرار

5 يوليو 2026 00:07 صباحًا | آخر تحديث: 5 يوليو 00:07 2026
دقائق القراءة - 3
شارك
share
هل فعلاً سينتج عن مذكرة التفاهم الأمريكية الإيرانية اتفاق شامل، يفتح الباب أمام بدء حالة استقرار في المنطقة؟ أم أن الشرق الأوسط قد اعتاد أن تكون الاتفاقات بمثابة هدن، سرعان ما تتحول هي ذاتها إلى مشكلة قائمة، مع سعي طرف أو أكثر إلى إعادة تعريفها وإعرابها سياسياً ومصلحياً؟ تأكيداً لمبدأ هنري كيسنجر، الدبلوماسي الأشهر في العالم، في اعتباره أن «الاستقرار الدولي لا يقوم على القيم بقدر ما يقوم على توازنات قوة قابلة لإعادة التشكل المستمر».
منذ عقود ومنطقتنا تشهد حالات استقرار مؤقتة، أو هُدَن بين حروب، ولئن بقيت المنطقة بعد حرب العام 1973 مضبوطة على إيقاع النظامين الدولي والإقليمي نسبياً، ومحصورة جغرافياً، كما في حال الحرب الأهلية اللبنانية (1975-1989)، إلا أن ما سمي ب«الربيع العربي»، وتوابعه من حروب أهلية وتدخلات أجنبية، زاد من مساحة الفوضى والاضطراب، وجعل من إمكانية تعريف العلاقات بين الفاعلين الكبار في الإقليم أصعب بكثير مما سبق، فما كان يسمى «قواعد اشتباك» متعارف عليها، شطبت مع تحولات ميدانية وسياسية، في اندفاع هؤلاء اللاعبين لزيادة مساحة النفوذ والهيمنة في دول انفرطت بنيتها السياسية، وأصبحت أقرب ما تكون إلى مساحات جغرافية، تتقاسم النفوذ فيها قوى دولية وإقليمية.
في مطلع تسعينات القرن الماضي، عوّل الفلسطينيون على السلام كمدخل لحلّ قضيتهم التاريخية العادلة، وقد شاعت في المنطقة أجواء تفاؤل لم تكن معهودة قبل ذلك الوقت، وذهب البعض لاعتبار اتفاق أوسلو عام 1993، مقدمة لشرق أوسط جديد، يقوم على السلام ولغة المصالح بدلاً من الحروب وكسر الإرادات، وعلى الاستثمار فيما يتيحه السلام من ممكنات، بدل إهدار الموارد والأرواح في السلاح والمعارك، لكننا وبعد مضي نحو 33 عاماً من الاتفاق، فإن ما بقي منه في الواقع لا يشبه أي شيء سوى ما جاء في الاتفاق المذكور.
كل القضايا التي وعد اتفاق أوسلو بحلها، مثل الحدود، واللاجئين، والاستيطان، والقدس، والتعويضات، بقيت بلا أي حل، والأسوأ من ذلك، أن تلك القضايا قد أضيفت لها قضايا جديدة، في مقدمتها غزة التي تحوّلت بحدّ ذاتها إلى قضية، بعد السابع من أكتوبر 2023، وما تلاه من رد فعل إسرائيلي، أحال معظم قطاع غزة إلى أنقاض، في نسف كامل لأبسط مقومات الحياة اليومية، في الوقت الذي سوّق فيه لحلول، في مقدمتها «مجلس السلام»، لكن لا يبدو أن للسلام مفهوماً وواقعاً وإرادة في حسابات مختلف الأطراف تجاه غزة.
إن واحدة من أعمق أسباب في الفشل في التوجّه نحو السلام والاستقرار، لا تكمن فقط في الأسباب الكبرى للخلافات بين الدول في المنطقة، وإنما في نمط العلاقات البينية، القائم على منطق الردع المتبادل، من دون أي نية في تبني منطق التسويات النهائية، والردع، بطبيعته، لا يهدف إلى إنهاء الصراع، بل إلى ضبطه ضمن حدود معينة، لكنه أيضاً نظام هش، لأنه يعتمد على تقديرات متغيرة للقوة والنية، فكل طرف يسعى إلى اختبار حدود الطرف الآخر بين الحين والآخر، ما يجعل أي هدنة مجرد توقف مؤقت لإعادة التموضع واختبار موازين القوى.
أيضاً، لم تتمكن دول المنطقة خلال عقود طويلة من الصراعات من إنتاج بنية إقليمية مؤسساتية، تناط بها مهمات إنتاج منظومة أمن واستقرار في المنطقة، وحتى ما هو قائم بقيت فاعليته محدودة الأثر، كما في مثال الجامعة العربية، وفي قلب هذه الكارثة التي أحدثتها حالة غياب المأسسة، كان من الطبيعي ألا تكون هناك سياسات واضحة تجاه القضايا الكبرى، وألا يكون هناك عمل دبلوماسي فعال يناقش المصالح وينتج الحلول والتوافقات، ما ترك القضايا الأساسية والحساسة تدار عبر مؤسسات عسكرية وأمنية.
هناك أيضاً بُعد اقتصادي-سياسي لا يقل أهمية، ففي عدد من الحالات، أصبح استمرار التوتر جزءاً من بنية المصالح الداخلية والخارجية لبعض الفاعلين، فالحروب المحدودة أو الصراعات المزمنة تخلق شبكات تمويل، وتعيد توزيع الموارد، وتمنح بعض القوى شرعية سياسية، كما تسمح لعدد من النخب السياسية بتأجيل وترحيل عدد من القضايا الداخلية السياسية والاقتصادية والمعيشية والحقوقية، بذريعة ما تتعرض له النخب الحاكمة من تحديات تطول الأمن القومي، والتي تعطى الأولوية على حساب استحقاقات الشعوب.
وإذا كان مهمّاً لمنطقتنا أن تمضي نحو الاستقرار والسلام، فإن فهم الأسباب التي مكنت عدداً من البيئات الإقليمية في العالم التي طالتها نزاعات تاريخية من الانتقال نحو الاستقرار والسلام والتعاون المشترك، هو أمر حيوي وأساسي، فعمليات الانتقال تلك، ثمة عامل مشترك بينها، وهو تبني منظومة قيم مشتركة سياسية وحقوقية واقتصادية وقانونية، ترى فيما يقدمه السلام من ممكنات أكبر بكثير مما قدمته أو يمكن أن تقدمه الحروب، في الوقت الذي أصبحت فيه الحروب في منطقتنا، المباشرة وغير المباشرة، الأساس الذي تنهض عليه العلاقات بين الدول، ما يُبقي أي حلم بالاستقرار مجرد وهم، وأي نهاية لحرب احتمالاً مرجحاً لحروب أخرى.
[email protected]

logo اقرأ المزيد

الأكثر قراءة