في الحروب قد تكون الهدنة شكلاً آخر من أشكال الخطر، فهي ليست دائماً نقيضاً للخطر، خصوصاً حين تمنح الطرف المعتدي فرصة لالتقاط أنفاسه، وإعادة ترتيب أوراقه، والخروج من المعركة برواية سياسية توحي بأنه صمد وانتصر.
هذا هو صلب النقاش الخليجي حول مذكرة التفاهم الأمريكية الإيرانية، فالسؤال لمريده عن الحرب والسلام.. بل عن أيهما أقل كلفة على الخليج، هدنة ناقصة قد تؤجل الخطر، أم حرب مفتوحة قد لا تضمن إنهاءه؟
في هذه الحرب انقسمت التقديرات الخليجية حول كلفة الهدنة أكثر مما انقسمت حول الحرب نفسها، فلم يكن الخلاف بين مؤيد للحرب وآخر للسلام، بل بين من رأى أن الهدنة قد تمنح إيران فرصة جديدة لإعادة ترتيب أوراقها، ومن اعتقد أن استمرار الحرب سيجعل الخليج يدفع كلفة أكبر من أي هدنة ناقصة.
يرى المعسكر الأول أن كلفة الهدنة قد تكون أكبر من كلفة الحرب نفسها، فهذا المعسكر لا يعترض على الدبلوماسية من حيث المبدأ، لكنه يعترض على دبلوماسية تأتي بعد استخدام القوة الإيرانية، وبعد تهديد الممرات البحرية، وبعد استهداف دول الخليج، ثم تمنح طهران وقتاً إضافياً وربما مكاسب اقتصادية.
وتستند هذه الرؤية إلى حجة أمنية يصعب تجاهلها، فإذا كانت إيران قد استخدمت مضيق هرمز كورقة ضغط، ثم جلست للتفاوض على ترتيبات الملاحة والرسوم والسيطرة، فإن الرسالة الأخطر هي أن استخدام القوة قد يفتح أبواب التفاوض، وإذا حصلت طهران على أموال مجمدة أو تخفيف للعقوبات قبل تغيير سلوكها، فإن الهدنة لن تكون طريقاً إلى السلام، بل فرصة لإعادة إنتاج الخطر.
كما أن الإشكالية في مذكرة التفاهم أنها تؤجل أكثر الملفات حساسية إلى مفاوضات لاحقة، فيما ركزت المحادثات الفنية على مضيق هرمز والأموال الإيرانية المجمدة أكثر من تركيزها على جوهر القلق الخليجي وهي الصواريخ، والمسيّرات، وشبكات الوكلاء، وصحيح أن البيان الأمريكي الخليجي حاول سد هذه الفجوة بالتأكيد على حرية الملاحة، ورفض أي قيود أو رسوم، وضرورة معالجة القدرات الصاروخية الإيرانية ونشاط وكلائها، إلا أن هذه الملفات ما تزال تنتظر اختبار التنفيذ، لا مجرد النصوص.
لكن هذا الطرح، على وجاهته الأمنية، يواجه سؤالاً لا يقل صعوبة وهو هل كان استمرار الحرب سيقود فعلاً إلى شرق أوسط أكثر أمناً؟ وهل كان الخليج سيخرج منها أقل كلفة؟ أم أنه كان سيدفع مرة أخرى ثمن مواجهة لا يملك قرار اندلاعها ولا قرار إنهائها؟
من هنا ينطلق المعسكر الخليجي الآخر، الذي يرى أن الدبلوماسية، مهما كانت ناقصة، تبقى الخيار الأقل كلفة فدول الخليج، من وجهة نظر هذا المعسكر، لا مصلحة لها في حرب طويلة على ضفافها، ولا في تحويل مدنها وموانئها ومطاراتها ومنشآتها النفطية إلى أهداف يومية للصواريخ والطائرات المسيّرة.
هذا الرأي لم يولد من فراغ، بل تشكل عبر سلسلة من التجارب الأمنية التي أعادت تعريف مفهوم التهديد في الخليج، فمنذ الهجوم الحوثي على منشآت أرامكو في السعودية عام 2019، والهجمات الحوثية على ابوظبي في يناير 2022، واستهداف الملاحة الدولية، ترسخت لدى هذا المعسكر قناعة بأن أي مواجهة عسكرية واسعة لن تبقى محصورة بين واشنطن وطهران، بل ستتحول سريعاً إلى حرب سيتم دفع كلفتها على أرض الخليج واقتصاده.
ولعل ما عزز هذا التوجه أيضاً أن التعامل الأمريكي مع هجمات أبوظبي، كما كان الحال بعد هجمات أرامكو، لم يبلغ في نظر بعض العواصم الخليجية مستوى التفاعل المطلوب فضلا عن الردع الحاسم، وهو ما رسخ قناعة بأن أمن الخليج لا يمكن أن يُبنى على افتراض تدخل خارجي حاسم في كل أزمة.
وفق هذا المنطق، فإن الهدنة ليست مكافأة لإيران، بل استراحة ضرورية للخليج، فهي تمنع الانزلاق إلى حرب شاملة، وتحمي الاقتصاد، وتمنح دول الخليج وقتاً لإعادة ترتيب أولوياتها، وأصحاب هذا الرأي لا يثقون بالنظام في إيران، لكنهم يدركون أيضاً أن الحروب الأمريكية لا تنتهي دائماً كما تبدأ.
لذلك، فإن الحكم الموضوعي لا يسمح بتبرئة الهدنة ولا بإدانتها بالكامل، فقد حققت حتى الآن مكسباً تكتيكياً يتمثل في وقف التدهور، وتخفيف الضغط على الأسواق، وإعادة المسار السياسي إلى الطاولة، لكنها لم تحقق بعد مكسباً استراتيجياً، لأنها لم تعالج جذور الأزمة، وفي مقدمتها الصواريخ، والمسيّرات، ووكلاء إيران في المنطقة، وسلوكها تجاه أمن الملاحة، وبالتالي قد يصبح النظام الإيراني اكثر عدوانية.
الخلاصة أن الخليج لا يحتاج إلى هدنة هشة، ولا إلى حرب بلا نهاية، بل إلى هدنة مشروطة بالقوة، فأي أموال تُمنح لإيران يجب أن ترتبط بتحقق واضح، لا بوعود سياسية، وأي تفاهم حول مضيق هرمز يجب أن ينطلق من مبدأ ثابت، هو حرية الملاحة دون رسوم أو وصاية، كما أن أي اتفاق نهائي لا يشمل الصواريخ والمسيّرات والوكلاء سيبقى اتفاقاً مع نصف المشكلة، وربما مع نصفها الأقل خطورة.
في نهاية الأمر، نتفق أن جميع دول الخليج هي دول سلام وبناء وتنمية، والخلاف الخليجي ليس بين دعاة حرب ودعاة سلام، بل بين من يخشى كلفة الحرب اليوم، ومن يخشى كلفة الهدنة غداً، وكلاهما يملك جزءاً من الحقيقة، أما الموقف الخليجي الأكثر حكمة، فهو الذي لا يختار بين الحرب والهدنة، بل يفرض شروطه على كليهما بما يحمي أمن المنطقة ومصالحها ومستقبلها.
X: @MEalhammadi
كاتب صحفي
