بينما تنطفئ أضواء المسارح السياسية في العواصم البعيدة، وتهدأ عواصف البحار التي كادت تشعل حرباً كبرى، يرتفع في واشنطن ستار من نوع آخر، ستار يكشف عن معركة صامتة وضارية تنتظر الرئيس دونالد ترامب، لا تدور رحاها في جبهات القتال الخارجية، بل في الممرات الرخامية للكابيتول هيل.
هناك، حيث يمتزج صخب الطموح بصرير الأقلام الدستورية، يواجه ترامب مشرعين لا يبحثون عن نصر عسكري في مضيق هرمز، بل عن استعادة «روح الدستور» التي يعتقدون أن البيت الأبيض اختطفها في عتمة الليل الدبلوماسي، إنها المعركة الأزلية على مقود السياسة الخارجية الأمريكية.
لطالما كانت واشنطن مدينة محكومة بالتوازنات الهشة، لكن عام 2026 يضعنا أمام مشهد فريد من الصدام الدستوري، فالرئيس ترامب بأسلوبه المعهود القائم على إبرام الصفقات المباشرة والسريعة، خط بيده مذكرة تفاهم مع طهران دون أن يلتفت وراءه ليرى نظرات الوجوم على وجوه صقور الكونغرس.
هذا التجاوز للرقابة البرلمانية لم يكن مجرد هفوة بروتوكولية، بل هو تهميش صريح للقوانين الفيدرالية الصارمة مثل قانون مراجعة الاتفاق النووي الإيراني (INARA)، وإعلان من الإدارة الحالية بأن القنوات التشريعية ليست سوى عقبة بيروقراطية أمام طموحاتها الإقليمية.
ذلك الصدام ليس وليد اللحظة، بل امتداد لتاريخ طويل من النزاع على صلاحيات رسم السياسة الخارجية، فحين حاول هاري ترومان الانفراد برسم ملامح الحرب الباردة عام 1947 عبر «عقيدته»، واجه مقاومة حدت من صلاحياته، وفي عام 1973، فرض الكونغرس «قانون صلاحيات الحرب» رغماً عن فيتو ريتشارد نيكسون عقب حرب فيتنام، وحتى في التاريخ الحديث، عندما التف باراك أوباما على مجلس الشيوخ عام 2015 لتمرير الاتفاق النووي كـ«ترتيب سياسي».
خطورة هذا النهج لا تكمن في الصدام مع المعارضة فحسب، بل في الشرخ الهيكلي داخل الحزب الجمهوري نفسه، إذ نشهد انقساماً فكرياً بين جناح تقليدي يمثله ماركو روبيو متمسك بالتحالفات التاريخية وحماية أوروبا، وتيار «أمريكا أولاً» المدفوع برؤى إلبريدج كولبي المطالب بـ«الانعزالية الانتقائية» والهرب من أعباء الشرق الأوسط نحو صراع المحيط الهادئ ضد الصين، هذا التخبط يجعل السياسة الأمريكية تبدو أمام الحلفاء والأعداء كبوصلة متأرجحة بلا مركز ثقل.
مع اقتراب قطار الانتخابات النصفية لعام 2026، يجد الديمقراطيون في هذا التشرذم الجمهوري فرصة ذهبية لا تعوض، فلن تقتصر استراتيجيتهم على معاقبة الرئيس سياسياً، بل سيتغلغلون في شقوق الخلاف الجمهوري لزعزعة تماسك الحزب الحاكم وكسب مقاعد إضافية.
سيسعى الديمقراطيون من خلال هذه المعركة إلى إعادة صياغة ميزان القوى عبر الدفع بحزمة من القوانين التقييدية التي تكبل يد الرئيس في فرض العقوبات أو إلغاء الاتفاقيات الدولية، مستغلين حالة الإحباط لدى الصقور الجمهوريين التقليديين الذين يرون في تفرد ترامب تهديداً لمكانة أمريكا العالمية.
قاطن البيت الأبيض يدرك جيداً أن قوة أمريكا الجيوسياسية تنبع من شرعيتها الدستورية وتماسك جبهتها الداخلية وأن إدارة العالم بعقلية «الرجل الواحد» قد تمنح هدوءاً مؤقتاً في المضائق البحرية، لكنها تؤسس لزلزال دستوري عنيف داخل أمريكا نفسها.. والكونغرس مستعد تماماً ليكون مركز هذا الزلزال.
