عندما قال ونستون تشرشل: إن الحروب لا تنتهي عندما تصمت المدافع، وإنما عندما تتغير اللغة، كان يضع خلاصة تجربة حرب عالمية قاد إنجلترا خلال انخراطها فيها، ولو بقيت الكلمات مشبعة بالتهديد والوعيد وإعلان الانتصارات الوهمية عقب أي حرب فإن هذا لا يعني أنها انتهت، ولكنه تأكيد على أن فرص عودتها للاشتعال لا زالت قائمة، ورغم أن العالم يعرف أن المواجهة الأمريكية-الإسرائيلية الإيرانية تعيش في حالة هدنة، إلا أنها ليست كغيرها من الهدن، فالقصف بين الأطراف المتصارعة يتجدد من وقت لآخر، ولغة الخطاب المتبادل لم تتغير بل وصلت في بعض الأوقات إلى التهديد بالمحو من الوجود رغم انطلاق جولات التفاوض بل وتوقيع الرئيسين الأمريكي والإيراني على «مذكرة التفاهم» التي تحتاج إلى تفاهم جديد على تفسير بنودها وهو ما يطرح سؤال: هل دخلت المنطقة بالفعل مرحلة دبلوماسية هدفها إنهاء الصراع، أم أنها تعيش فصلاً جديداً من الحرب النفسية تمهد به الأطراف لجولات أكثر تعقيداً؟
منذ الساعات الأولى لوقف العمليات العسكرية، لم يلحظ المراقبون تحولاً حقيقياً في الخطاب السياسي، فما زال الرئيس دونالد ترامب ومسؤولون في إدارته يتحدثون عن إنجاز تاريخي، فيما يواصل مسؤولون إسرائيليون التأكيد أنهم غيّروا موازين القوى، بينما تصّر طهران على أنها أفشلت أهداف خصومها وخرجت أكثر قوة وصلابة.
الجميع يعلن الانتصار، والجميع يؤكد أن خصمه تلقى ضربة قاصمة، والجميع يلوّح بأن العودة إلى القوة العسكرية تبقى خياراً قائماً إذا اقتضت الضرورة.
في العادة، تبدأ الدبلوماسية الحقيقية عندما تتراجع لغة التهديد لتحل محلها لغة المصالح والتسويات، لكن ما يجري اليوم يؤكد أن الميدان لم يهدأ والقصف لم يتوقف والمضيق لم يعد كما كان، ويوحي بأن طاولة التفاوض تسير في اتجاه، بينما المنصات الإعلامية والخطابات السياسية تسير في اتجاه آخر، وكأن الحرب العسكرية أخذت شكلاً جديداً، بينما بقيت الحرب النفسية مستمرة، بل ربما أصبحت أكثر حضوراً لأنها لم تعد مقيدة بإيقاع المعارك اليومية.
الضربات المتقطعة التي تشهدها المنطقة من وقت لآخر سواء من خلال عمليات قصف متبادل، أو إعلانات عن اعتراض صواريخ وطائرات مسيّرة، إنما هي تأكيد على أن وقف إطلاق النار لا يزال هشاً وأن العودة إلى التصعيد احتمال قائم، وغالباً ما تبدو هذه العمليات، مهما كان حجمها، رسائل ردع أكثر منها محاولات لفتح حرب شاملة، إذ يسارع كل طرف إلى استثمارها إعلامياً لإثبات يقظته العسكرية وقدرته على توجيه الضربات والرد عليها.
ولعل ونستون تشرشل كان يدرك هذه الحقيقة عندما قال: «في زمن الحرب تكون الحقيقة ثمينة إلى درجة أنها تحتاج دائماً إلى حارس من الأكاذيب»، فكل طرف لا يقاتل بالسلاح فقط، وإنما يقاتل بالرواية أيضاً، لأن الانتصار السياسي يبدأ أحياناً بإقناع الرأي العام بأن النصر قد تحقق بالفعل.
التاريخ يعلمنا أيضاً أن المفاوضات لا تبدأ دائماً بلغة ودية، فقد استمرت الحرب الإعلامية بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي حتى أثناء توقيع اتفاقيات الحد من الأسلحة النووية، كما لم تتوقف الاتهامات المتبادلة خلال مفاوضات إنهاء حرب فيتنام، بل إن كثيراً من اتفاقات السلام في الشرق الأوسط سبقتها وتزامنت معها وأعقبتها حملات إعلامية وتصريحات شديدة القسوة.
استمرار الخطاب العدائي لا يعني بالضرورة أن الدبلوماسية قد فشلت، لكنه لا يمنح في المقابل أي ضمانة بأن السلام أصبح قريباً.
لذلك، قد يكون الاختبار الحقيقي لمذكرة التفاهم ليس في عدد الاجتماعات التي ستعقد، ولا في البيانات الرسمية التي ستصدر، وإنما في قدرة الأطراف على تغيير لغتها قبل تغيير سياساتها، فالسلام لا يُقاس بعدد الأيام التي تصمت فيها المدافع، بل بمدى تراجع التصريحات الاستفزازية، وتوقف الرسائل العسكرية المتقطعة، وبناء الحد الأدنى من الثقة المتبادلة.
التاريخ لا يتذكر من أعلنوا النصر عبر الإعلام، بقدر ما يتذكر أولئك الذين امتلكوا الشجاعة السياسية لتحويل هدنة هشة إلى سلام مستدام، أو أخفقوا في ذلك فعادت المدافع لتتحدث من جديد، بعدما كانت الكلمات قد مهدت لها الطريق.
