الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

سوريا.. من الرماد إلى البناء

28 يونيو 2026 00:06 صباحًا | آخر تحديث: 28 يونيو 00:06 2026
دقائق القراءة - 2
شارك
share
بين رماد الأمس وظلال الغد، ينهض ملف إعادة إعمار سوريا كالعنقاء، واضعاً البلاد أمام مخاض سيادي يتجاوز ترميم الحجر إلى «إعادة تأسيس» الدولة عبر عقد اجتماعي يرتكز على المواطنة والتعددية، ولتحقيق هذه القفزة، قدّرت الحكومة الانتقالية الكلفة بنحو 900 مليار دولار، وهو رقم يثبت أن عجلة البناء لن تحركها المنح الإنسانية فحسب، بل استثمارات استراتيجية تبحث عن ممرات لوجستية آمنة، وقدرة مؤسسية على توجيه الموارد بكفاءة وعدالة نحو القطاعات الأكثر إلحاحاً.
وفي سبيل تمهيد هذه الأرضية وجذب الرساميل، ألغت سوريا «ضريبة ال10% للمساهمة في الإعمار»، بالتزامن مع تحول دبلوماسي لافت في مجلس الأمن يرحب برفع العقوبات لفتح التدفقات التجارية، باعتبار التنمية الاقتصادية رافعة الاستقرار، مع التشديد على مواءمة الدعم الدولي مع الأولويات الوطنية وحفظ سيادة البلاد، بيد أن هذا الانفتاح الخارجي يصطدم مباشرة ب»معضلة الأمن الداخلي» كالتحدي الأعمق، إذ تواجه سوريا استحقاقاً مصيرياً يتمثل في إنهاء إرث الميليشيات وفصائل الأمر الواقع وتوحيد السلاح تحت راية مؤسسة عسكرية وطنية واحدة، فهذا الفراغ الذي خلّفته سنوات التفتت الجغرافي لا يزال يغري خلايا التنظيمات المتطرفة بالتحرك، كما يجعل المناطق الطرفية والحدودية عرضة للاهتزازات.
استقرار الرساميل وتأمين الممرات اللوجستية لن يتحققا عبر اتفاقيات فوقية، بل ببسط سيادة الدولة المركزية وتفكيك بؤر التوتر من الجذور عبر حوار وطني جاد يتسامى فوق الأجندات الخارجية، ليكون السوريون هم الرقم الأول والأخير في معادلة الحل.
هذا الحوار هو طوق النجاة لتأسيس منظومة قوامها العدالة الانتقالية، والمساواة، ومحاسبة المتسببين في الدمار، وصون كرامة الإنسان ومن هنا يصبح بناء حوكمة رشيدة ترتكز على سيادة القانون والمؤسسات الحامية للشعب هو الشرط الجوهري للنهوض، مستلهمين تجارب الدول الناهضة من ركام الحروب وفق الخصوصية السورية كالتجربة الألمانية في التخطيط العمراني بالعمالة المحلية لامتصاص البطالة، وتليها الشراكة المتينة بين القطاعين العام والخاص لبناء لوجستيات قوية كنموذج كوريا الجنوبية، وصولاً إلى صياغة نظام حوكمة ومساءلة يدمج الجميع في المنظومة الرسمية كالتجربة الرواندية.
تلك الدورة التنموية المنشودة لسوريا لا تكتمل قطعاً دون حلحلة ملف عودة اللاجئين، إذ لا يُقاس النجاح بوفرة الآليات، بل بالاسترداد التاريخي للعقول والخبرات والعلماء السوريين من أوروبا والدول المتقدمة، والذين يمثلون بنقدهم المعرفي وخبراتهم الدولية المكتسبة الوقود الحقيقي لنهضة المؤسسات والاقتصاد، بشرط توفير البيئة الحقوقية والأمنية الجاذبة للاستثمار والاستقرار.
صياغة مستقبل سوريا الجديدة هي سباق مع الزمن لإعادة بناء الهوية والمجتمع، ولن يكتب النجاح لهذا المشروع التاريخي إلا إذا تحولت الجغرافيا السورية من جبهة للصراعات إلى جسر للتنمية، تتلاقى فوقه الإرادة الوطنية مع الدعم العربي والدولي، فالدول لا تُقاس بحجم ما خسرته في الحروب، بل بقدرتها على تحويل آلامها إلى مشروع وطني جامع يصنع السلام المستدام.
[email protected]

logo اقرأ المزيد

الأكثر قراءة