هناك حقيقة لم يعُد بالإمكان تجاهلها: «الشماعة» التي استند إليها البعض لتبرير رفع الأسعار لم تعُد قائمة بالكامل، أو على الأقل، بشكل جزئي.
عقب الاعتداءات الإيرانية الغادرة على دولة الإمارات، تقبّل الجميع أن تشهد الأسواق ضغوطاً مؤقتة، نتيجة اضطراب الملاحة، وارتفاع تكاليف الشحن والتأمين، وكان من الطبيعي أن يتحمل المستهلك جزءاً من تلك الأعباء، لكن غير الطبيعي أن تستمر الأسعار في الارتفاع، بعد زوال معظم أسبابه.
حركة الشحن البحري استعادت جانباً كبيراً من نشاطها، وسلاسل الإمداد عادت تدريجياً إلى طبيعتها، وتكلفة الشحن الخارجي نفسها بدأت تتراجع.خلال الأسابيع الماضية انخفضت أسعار الشحن البحري، مع تراجع أسعار وقود السفن 20%، مع تراجع النفط، وهدوء التوترات الإقليمية، كما تراجعت تكلفة التأمين البحري مع تحسّن مستويات المخاطرة.. هذه ليست مؤشرات هامشية، بل عناصر رئيسية في تكلفة استيراد السلع، وكان ارتفاعها هو المبرّر الذي استند إليه كثيرون عند رفع الأسعار.
في أسواقنا تراجعت أيضاً تكاليف التشغيل والنقل بعد انخفاض أسعار الديزل خلال شهرين بنحو الربع، والبترول بنحو الخمس، ما يعني انخفاض تكلفة نقل البضائع، وتشغيل المصانع، وخطوط الإنتاج والتوزيع. وإذا كانت الزيادات السابقة وصلت إلى المستهلك بسرعة قياسية، فمن الأولى أن تصل إليه، اليوم، آثار انخفاض التكاليف بالسرعة نفسها.
أنا وعلى الرغم من ذلك، لا يزال بعض المورّدين والتجار يتمسكون بالبيع وفق أعلى الأسعار، وكأن شيئاً لم يتغيّر، مستندين إلى مبرّرات فقدت كثيراً من قيمتها الاقتصادية. والأسوأ، أن بعض السلع الموجودة على الأرفف اليوم، تم استيرادها قبل الأزمة، حيث تمتلك دولة الإمارات واحدة من أكبر الطاقات التخزينية في المنطقة.
لا أحد يعترض على تحقيق الأرباح، فالربح أساس التجارة. لكن استغلال الظروف الاستثنائية لتحقيق مكاسب استثنائية أمر مختلف تماماً. فالسوق العادلة لا تقوم على تحميل المستهلك كل زيادة فور وقوعها، ثم تتجاهل كل انخفاض عندما تتراجع عناصر التكلفة.
وزارة الاقتصاد، والدوائر الاقتصادية المحلية، قامت بدور مهم في ضبط الأسواق، وكان تركيزها الأساسي على المواد الغذائية والأدوية، لأنها تهم المستهلكين كافة، حيث أسهمت حملاتها في الحدّ من موجة الارتفاعات، إلا أن المرحلة الحالية تتطلب التركيز على ملفّ لا يقل أهمية، وهو التأكد من انتقال وفورات انخفاض الشحن، والتأمين، والوقود، إلى الأسعار النهائية، وعدم بقائها مجرّد أرقام يستفيد منها بعض الموردين والتجار وحدهم.. لا نتحدث هنا عن المواد الغذائية، بل عن المواد الأساسية في صناعة البناء، وتلك المستخدمة يومياً، ولم تعُد كمالية في الحياة المعاصرة.
الأسواق الإماراتية عُرفت دائماً بسرعة تعافيها ومرونتها.
واليوم، وبعد أن بدأت تكاليف الشحن والتأمين والنقل والطاقة تتراجع، لم يعُد مقبولاً أن تبقى الأسعار مرتفعة بالوتيرة نفسها.
