الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

هل يمكن تجاوز ما فعلته فرنسا وبريطانيا بحق بلاد الشام؟

7 يوليو 2026 00:36 صباحًا | آخر تحديث: 7 يوليو 00:37 2026
دقائق القراءة - 3
شارك
share
ارتكب الغرب، وبخاصة فرنسا وبريطانيا، جرائم كثيرة بحق العرب عامة، وكان لبلاد الشام من هذه الجرائم النصيب الأثقل والأشد أثراً.
ويشهد التاريخ، كما تشهد الجغرافيا واللغة والثقافة والعمران، على أن بلاد الشام كانت، عبر العصور، وحدة جغرافية وسكانية وثقافية وحضارية متصلة، لا تفصل بين أطرافها حدود مصطنعة، ولا تقطع أوصالها خرائط مرسومة على موائد الغزاة.
فقد كانت بلاد الشام، قبل الحرب العالمية الأولى، منضوية ضمن الدولة العثمانية، ومقسمة إلى ولايات وسناجق، لم تكن تفصل بينها حدود قومية أو دولية بالمعنى الحديث، بل كانت تتداخل إدارياً وسكانياً واقتصادياً. ومن أبرز هذه الولايات:
* ولاية دمشق: وكانت تضم، في مراحل مختلفة، حوران، والبلقاء، والكرك، ومناطق واسعة من شرق الأردن، كما ارتبطت إدارياً بمناطق أخرى وفق التبدلات التي شهدها التنظيم الإداري العثماني.
* ولاية حلب: وكانت من أقدم وأهم المراكز التجارية في الدولة العثمانية، بحكم موقعها وصلاتها الاقتصادية مع الأناضول والعراق وبلاد الشام. وضمت الولاية، في فترات مختلفة، إدلب، وأنطاكية، وعينتاب، وأورفة، ومرعش.
* ولاية طرابلس: وشملت طرابلس ومحيطها، وامتد نفوذها في بعض المراحل إلى مناطق من الساحل الشمالي وجبال لبنان الشمالية، بما يؤكد طبيعة التداخل بين الساحل والداخل في بلاد الشام.
* ولاية صيدا: ظهرت ولاية صيدا في مراحل من الحكم العثماني، وكان مركزها صيدا، ثم برزت عكا مركزاً مهماً لها. وقد شملت مناطق صيدا، وعكا، وصفد، وأجزاء من جبل لبنان، وتبدلت حدودها الإدارية أكثر من مرة تبعاً للإصلاحات العثمانية.
* ولاية بيروت: أُنشئت ولاية بيروت رسمياً سنة 1888 في أواخر العهد العثماني، وشملت مناطق ساحلية وتجارية مهمة، منها بيروت وطرابلس وعكا ونابلس واللاذقية. وكان إنشاؤها تعبيراً عن تنامي أهمية بيروت الاقتصادية والتجارية في القرن التاسع عشر.
تكشف هذه الولايات، بما لا يدع مجالاً للشك، وحدة بلاد الشام في زمن قريب. حسبك، أيها القارئ العزيز، أن تعرف أن ولاية بيروت، في أواخر العهد العثماني، كانت تمتد إدارياً من طرابلس شمالاً إلى عكا ونابلس جنوباً، لتدرك أن الحدود التي نعيش داخلها اليوم ليست ثمرة تاريخ طبيعي، بل نتيجة قرارات استعمارية.
بعد الاحتلالين البريطاني والفرنسي لبلاد الشام، جرى اقتسامها استعمارياً، ورُسمت حدودها على هوى المصالح الأجنبية، ثم أُعلنت الكيانات السياسية التي نعيش فيها الآن.
عندما فُصل شرق الأردن عن محيطه الشامي، وحوّله البريطانيون إلى إمارة عام 1921، كان عدد سكانه محدوداً مقارنة بما هو عليه اليوم. وها هو الأردن اليوم، وقد تجاوز عدد سكانه أحد عشر مليون نسمة، يواجه تحدياً كبيراً يتمثل في شح المياه.
وعندما أعلن الجنرال غورو قيام دولة لبنان الكبير عام 1920، وضم إليها طرابلس والبقاع وبعلبك وراشيا وحاصبيا وغيرها من المناطق، لتبلغ مساحتها نحو 10,452 كم²، لم يكن الفرنسي معنياً بأن يسأل: كيف سيتسع هذا الكيان لسكانه في المستقبل؟ وكيف ستُدار التناقضات التي نشأت من تركيب كيان سياسي جديد فوق جغرافيا أوسع من متصرفية جبل لبنان السابقة، وأضيق من المجال الشامي الأوسع الذي تنتمي إليه؟
وعندما فُصلت فلسطين عن بلاد الشام، ثم صدر وعد بلفور عام 1917 وتكرست سياسات الانتداب البريطاني التي مهدت لإقامة المشروع الصهيوني، لم يفكر البريطانيون والحركة الصهيونية في السؤال الأخلاقي والتاريخي الأهم: كيف يمكن أن ينتهي الصراع بين من استولى على الأرض وأصحابها الأصليين؟ وكيف يمكن لأرض محدودة المساحة أن تتسع لمشروع استيطاني إحلالي قائم على نفي أهل البلاد واقتلاعهم من بيوتهم وتحويلهم إلى لاجئين في وطنهم وخارجه؟
لكن السؤال المُلِحّ، الذي لا يجوز الهروب منه: لماذا احتفظت سلطات الحكم في بلاد الشام، إذا استثنينا حالة إسرائيل، بهذا التقسيم الاستعماري وكأنه قدر لا يُردّ؟
أما آن الأوان لإيجاد صيغة ما من الاتحاد أو التعاون العميق، تعيد إلى بلاد الشام روحها التاريخية، وتفتح طرق التواصل بين سكانها، وتُحيي صلات القربى بينهم، وتسهم في حل مشكلاتهم الاقتصادية والمائية والزراعية والديموغرافية؟
ألا يمكن استعادة معنى الترابط الشامي، لا بصيغته العثمانية القديمة، بل بصيغة حديثة تأخذ بعين الاعتبار الوقائع الجديدة، والسيادات القائمة، وتطلعات الشعوب، ومصالحها المشتركة؟ وهناك تجربة مهمة هي تجربة دولة الإمارات العربية المتحدة يمكن الاستفادة منها، مع مراعاة الشروط الموضوعية الخاصة ببلاد الشام بعد هذه الفترة الزمنية الطويلة من التقسيم الذي اتخذ شكل دول مستقلة.
الخلاصة: كانت بلاد الشام وحدة تاريخية وحضارية قبل أن يمزقها الاستعمار، وما زالت مصالح شعوبها مترابطة رغم الحدود التي فُرضت عليها. لذلك فإن التعاون العميق بين دول الشام اليوم ليس ترفاً سياسياً ولا حنيناً إلى الماضي، بل ضرورة مباشرة تفرضها تحديات الماء والغذاء والطاقة والاقتصاد والأمن. لقد نجح الاستعمار في رسم الحدود، لكن ليس من الضروري أن ينجح في تحويلها إلى حواجز دائمة بين شعوب يجمعها التاريخ والجغرافيا والمصير.
[email protected]

logo اقرأ المزيد

الأكثر قراءة