الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

«الناتو» أمام اختبار الوحدة

8 يوليو 2026 00:27 صباحًا | آخر تحديث: 8 يوليو 00:27 2026
دقائق القراءة - 2
شارك
share
لم تعد قمم حلف شمال الأطلسي مجرد اجتماعات دورية لتأكيد التزامات أمنية بين الدول الأعضاء، بل تحولت إلى محطات مفصلية تكشف حجم التباينات داخل التحالف الأكثر نفوذاً في العالم. ففي ظل المتغيرات الجيوسياسية المتسارعة، من الحرب الروسية الأوكرانية إلى تصاعد التنافس مع الصين، يجد الحلف نفسه أمام اختبار حقيقي لوحدته وقدرته على الحفاظ على تماسكه السياسي والعسكري.
ورغم الصورة التي يسعى قادة «الناتو» إلى إظهارها، فإن خلف الأبواب المغلقة تدور نقاشات معقدة حول أولويات الأمن الجماعي، ومستويات الإنفاق الدفاعي، وحدود التوسع المستقبلي للحلف. فالدول الأوروبية لم تعد تنظر إلى التهديدات بالمنظار ذاته، كما أن اختلاف المصالح الوطنية بات يلقي بظلاله على آليات اتخاذ القرار داخل المنظمة.
ويبرز ملف الإنفاق العسكري بوصفه من أكثر القضايا إثارة للجدل. فبينما تضغط الولايات المتحدة باستمرار لرفع مساهمات الحلفاء الأوروبيين، معتبرة أن تقاسم الأعباء ضرورة استراتيجية، ترى بعض العواصم الأوروبية أن الأولوية يجب أن تكون لتحقيق توازن بين متطلبات الأمن والضغوط الاقتصادية التي تواجهها مجتمعاتها. ويعكس هذا الجدل اختلافاً في الرؤية أكثر مما يعكس خلافاً حول أهمية الدفاع المشترك.
أما قضية توسيع الحلف، فقد أصبحت بدورها عنواناً للخلافات. فكل خطوة نحو ضم أعضاء جدد تحمل أبعاداً تتجاوز الإطار التنظيمي، لتلامس مباشرة معادلات الأمن الأوروبي والعلاقات مع روسيا. وبين من يرى أن سياسة «الباب المفتوح» تعزز الردع والاستقرار، ومن يحذر من أنها تزيد من حدة الاستقطاب الدولي، يجد الناتو نفسه مطالباً بإدارة توازنات دقيقة لا تحتمل كثيراً من الأخطاء.
وفي المقابل، يفرض الواقع الدولي على الحلف إعادة تعريف أولوياته. فالتحديات لم تعد تقتصر على النزاعات التقليدية، بل امتدت إلى الأمن السيبراني، وحماية البنى التحتية، والذكاء الاصطناعي، وسلاسل الإمداد، وهي ملفات تتطلب تنسيقاً سياسياً وعسكرياً يتجاوز المفهوم التقليدي للدفاع الجماعي.
ورغم هذه التحديات، لا يزال الناتو يحتفظ بعناصر قوة يصعب تجاهلها، أبرزها القدرات العسكرية المشتركة، والتكامل الاستخباراتي، والخبرة المؤسسية التي راكمها على مدى أكثر من سبعة عقود. غير أن هذه العناصر وحدها قد لا تكون كافية إذا استمرت التباينات السياسية في الاتساع، أو إذا تغلبت الحسابات الوطنية الضيقة على مفهوم الأمن الجماعي.
في المحصلة، تبدو القمم الأطلسية اليوم أكثر من مجرد منصة لإعلان المواقف، فهي مرآة تعكس واقع التحالف بكل ما يحمله من قوة وتحديات. والسؤال الذي يفرض نفسه ليس ما إذا كان «الناتو» يمتلك الإمكانات العسكرية الكافية، بل ما إذا كانت إرادة أعضائه السياسية ستظل قادرة على تجاوز الخلافات وصياغة رؤية موحدة لعالم يزداد اضطراباً وتعقيداً.
[email protected]

logo اقرأ المزيد

الأكثر قراءة