الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة
رفيف

قرشان مقابل كل سطر

11 يوليو 2026 00:04 صباحًا | آخر تحديث: 11 يوليو 00:04 2026
دقائق القراءة - 2
شارك
share
..كان إميل زولا 1840-1902 يتقاضى قرشين مقابل كل سطر من نثره، وفي السادسة والعشرين من عمره «قرّر واعتزم ألّا يتكل إلّا على قلمه لكسب عيشه»، وجاء في سيرته أيضاً أنه كان يكسب من الكتابة أكثر مما كان يكسبه فيكتور هيجو، وجرى، ترشيحه إلى نوبل مرّتين، روائي عبقريّ في الوصف،.. وصف الذات البشرية من خارجها ومن داخلها.. «.. كانت تريز لعوباً كأنّها في جنون، رطبة الشفتين، لامعة العينين، متألقة، مُشعّة، متقلبّة وذات جمال غريب، ملؤه الجِدّة والنزق، ويصح القول إن وجهها يكاد يضيء..». ترجمة: سليمان عقيقي.
مثله مثل كتّاب القرن التاسع عشر الفرنسيين وصف باريس آنذاك.. المعتمة، اللزجة، ذات الروائح الحامضة اللاذعة، باريس تيريز ولوران: الزوجة السيئة، والرجل الانتهازي الذي يخون صديقه النحيل المريض في رواية (تيريز راكان).. أولى رواياته التي كرّسته مباشرة واحداً من أبرز الكتاب في فرنسا الحداثة الأولى، بلد الرسم والكتابة، والجاذبة لبيكاسو، وإرنست همنغواي، وغيرهما من كتّاب العالم الذي عشقوا باريس من بعيد، فجاؤوا إليها (ولو مشياً على الأقدام) على الرغم من رائحتها النافذة..
صاحب القرشين ذاك على كل سطر، عاش حياة ملكية من وراء (النثر)، والمقصود بالنثر هنا، الرواية والمسرح والصحافة، لكن يبدو أن النعمة جاءته من الصحافة أولاً، ثم من نجوميته الأدبية التي انتهت بموت عجيب.. قام أحدهم بإغلاق مدخنة المدفأة، فاختنق وهو نائم بأوّل أكسيد الكربون.
تيريز التي تأخذها أقدارها إلى باريس وهي طفلة، وقد جاءت من الجزائر تنحدر من أمّ إفريقية ذات دم حارّ، وقامت على شخصيتها الشرسة روايته (تيريز راكان)، وتبدو تلك الفتاة التي نشأت في باريس في بيت سيدة صاحبة محل بيع خردوات وكأنها ضحية، تحديداً، ضحية ذلك البيت الذي نشأت فيه في كنف امرأة عجوز قامت بتزويج ابنها المريض من تيريز الشابة القويّة الممتلئة بالصحة والنار..
هل كتب إميل زولا رواية تتعاطف مع شخصية جزائرية أو لنقل عربية إفريقية؟؟.. الرواية تشي بذلك أو تشير إليه، لكن المهم هنا هو قوّة الإبداع الأدبي الروائي الذي تتبّع الروح الإنسانية من داخلها السيكولوجي.. هذا الداخل البشري الذي يصنع الشخصية ويعطيها طبعها النفسي والجسدي، وهو الطبع الذي اشتغل عليه القليل من الروائيين في مثل النجاح العبقري الذي نجده عند زولا..
أحياناً، يتحوّل الروائي إلى عالم نفس، أو طبيب تشريح، واليوم، تحوّل بعض الروائيين إلى مؤرّخين يعتمدون في صناعة الرواية على المخطوط، الأمر الذي يساوي أكثر آلاف المرّات من القرشين اللذين كان يكسبهما زولا في باريس التي أنتجت أجمل عطور العالم..
[email protected]

logo اقرأ المزيد

الأكثر قراءة