ما تشهده يوميات النزاع بين روسيا وأوكرانيا من تبادل للضربات الدامية والاستهداف الواسع لمنشآت الطاقة والمواقع الحيوية، يؤكد أن هذه الأزمة قد دخلت مرحلة جديدة من التصعيد وتنذر بانفلات شامل قد يجر إلى حرب مفتوحة وخروج تام عن السيطرة أو تجبر الأطراف على الجلوس إلى طاولة المفاوضات بحثاً عن تهدئة عبر مسار للسلام.
في ظل هذا الصراع، الذي تجاوز 1600 يوم، لا يمكن التنبؤ بنقطة الحسم العسكري، إذ تحولت المعارك إلى حرب استنزاف طويلة الأمد، تتأرجح بين موازين القوى على الأرض ومدى استدامة الدعم اللوجستي الخارجي للطرف الأوكراني على وجه الخصوص، إذ يعمل الجانب الأوروبي على تسريع وتيرة التصنيع العسكري المحلي وضخ استثمارات ضخمة في البنية التحتية الدفاعية الأوكرانية، في محاولة لتقليل الاعتماد الكلي على الإمدادات الأمريكية، وضمان تدفق مستدام للذخائر والأنظمة الدفاعية المتطورة القادرة على مجابهة الماكينة الحربية الروسية، التي لم تكشف عن حدود قدرتها على التحمل والتعبئة البشرية، إذ تمتلك موسكو عمقاً استراتيجياً ومخزوناً بشرياً هائلاً وأسلحة متنوعة تشمل منظومات صاروخية وفرط صوتية جديدة قادرة على اختراق أحدث الدفاعات الغربية، وهو ما يتيح لها مواصلة حرب الاستنزاف لسنوات مقبلة، مراهنة على تآكل الإرادة السياسية الغربية قبل نفاد ترسانتها العسكرية.
نعم، بات من الملاحظ أن القدرات الأوكرانية تحسنت في الأشهر والأسابيع الأخيرة واستطاعت أن تضع القوة الروسية في حرج كبير بعدما تكررت الضربات على العاصمة موسكو وسانت بطرسبرغ وتمكنت من التأثير على الملاحة في البحرين الأسود وأزوف، لكن الفجوة في القدرات البشرية والتعبوية تظل المعضلة الأكبر لكييف، فمهما بلغت دقة الضربات الأوكرانية النوعية وإحراجها لخطوط الدفاع الروسية، فإن حرب الاستنزاف الطويلة لن تكون في صالحها، كما أن دفع روسيا إلى حافة الهزيمة يمثل مقامرة خطيرة العواقب قد ترتكبها أوكرانيا وحلفاؤها الأوروبيون لما لذلك من مخاطر وقوع صدام عسكري مباشر بين روسيا والقوى الغربية، إذ إن محاصرة موسكو استراتيجياً قد تفرض عليها توسيع جبهة القتال واستهداف خطوط الإمداد الحيوية داخل أراضي دول «الناتو»، لتتحول الحرب من صراع إقليمي محصور إلى مواجهة شاملة ومفتوحة.
العامل الأمريكي يلعب على أكثر من حبل في أزمة أوكرانيا، تماما كما يفعل في أزمات عالمية أخرى. ورغم أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يصرح من فترة إلى أخرى بأنه «متفائل بإنهاء الحرب العبثية»، إلا أن الواقع يوحي بأن هناك استراتيجية أمريكية مزدوجة تمزج بين رغبة التهدئة واستعراض القوة، فبينما يضغط ترامب خلف الكواليس لدفع موسكو وكييف نحو طاولة المفاوضات، تلّوح واشنطن بعقوبات غير مسبوقة ضد روسيا وتدعم تسليح أوكرانيا غير المباشر عبر الشركاء الأوروبيين، مما يضمن بقاء أمريكا ممسكة بخيوط اللعبة ومتحكمة في سقف التصعيد. وهذه اللعبة ليست خافية، بل إنها قد تكون السبب الوحيد الذي يجعل موسكو ترفض تقديم أي تنازلات مجانية وتبدي حذراً شديداً تجاه أية مبادرات أمريكية للسلام، لشعور القيادة الروسية بأن واشنطن لا تبحث عن تسوية عادلة وشاملة، بل تريد فرض هدنة مؤقتة تمنح كييف وحلفاءها الأوروبيين فرصة لإعادة تنظيم الصفوف، وتحديث الترسانة العسكرية، استعدادا لجولة صراع قد تكون أكثر شراسة.