يعتبر الكثير من الأبناء الإجازة الصيفية، موسماً للتحرر من الاستيقاظ المبكر، والواجبات المدرسية، والجدول اليومي الصارم، بينما يراها الآباء مساحة للتقارب مع الأبناء وتقوية الروابط الأسرية. ولكن أحياناً تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن، خاصة إذا كانت الإجازة غير منظمة وتفتقر إلى جدول أنشطة ترفيهية واجتماعية وبدنية تثري وقت الأبناء وتطور مهاراتهم، إذ تتحول أسابيع قليلة من السلوكات غير المنظمة كافية لتغيير إيقاع حياة الأبناء والأسرة بالكامل، فيتأخر موعد النوم إلى ما بعد منتصف الليل، وتنقضي ساعات اليوم أمام الهاتف أو التلفزيون، وتتحول ألعاب الفيديو إلى النشاط الأساسي، بينما يتراجع اللعب والحركة وحتى الحوار داخل الأسرة.
هذه السلوكات السلبية التي قد يكتسبها بعض الأبناء قد تؤدي إلى إفساد متعة الإجازة وضياع الغرض والهدف من ورائها. في السطور التالية نتعرف إلى تجارب بعض العائلات خلال الإجازة، وأهم نصائح الخبراء للحصول على إجازة صيفية سعيدة ومفيدة.
الروابط العائلية
خلود الحسيني «موظفة» تتحدث عن تجربتها قائلة: ننتظر الإجازة الصيفية كل عام بشوق كبير حتى نتحرر من المواعيد والالتزامات والجدول المشحون الذي يتحكم في حياتنا طوال العام الدراسي، وحتى نجد متسعاً من الوقت لتقوية الروابط العائلية والاستمتاع بالراحة والاسترخاء.. ولكن الأمر يحتاج إلى كثير من التنظيم والتخطيط لأنه من دون جدول خاص للأنشطة تكون النتيجة سلبية كما حدث مع أفراد أسرتي العام الماضي، ونسعى لعدم تكرارها هذا العام، ففي العام الماضي وجدنا الأولاد لا يتواصلون معنا طوال النهار فهم يسهرون حتى ساعة متأخرة من الليل أمام شاشات الألعاب، ويقضون معظم ساعات النهار نائمين وحتى وجبات الطعام لا نتناولها معاً، وما لاحظته أيضا في إجازة الصيف الماضي هي زيادة وزن الأبناء واتسامهم بالكسل الشديد، كما أن سلوكهم تجاه بعضهم بعضاً كان انعزالياً وعدائياً.
وتضيف: في بعض الأحيان كنت أتمنى عودة الدراسة سريعاً حتى ينضبط إيقاع الحياة، ولكن هذا العام تعلمنا الدرس، وقررنا تقسيم وقت الإجازة بين السفر للسياحة الخارجية، وإعداد جدول للأنشطة والسياحة الداخلية، التي توحد شمل أسرتنا وتجعل لنا أوقات وذكريات سعيدة بالإجازة وتنمي علاقاتنا.
استعداد مبكر
أيمن عبد القادر أب لثلاثة أبناء في سن المراهقة يشاركنا تجربة مختلفة قائلاً: أستعد للإجازة مبكراً بالتخطيط الدقيق، خاصة أن أبنائي تخطوا مرحلة الطفولة، ولذلك أحاول دائما أن أكون صديقاً لهم، وأشاركهم في كثير من الأنشطة التي يقومون بها خاصة الرياضية، وأستغل فترة الإجازة الصيفية في القيام بأنشطة تعزز من علاقتنا مثل السباحة التي تجمعني بهم، ويمكن لأصدقاء أبنائي أن يشاركونا في الأنشطة، الرياضية والترفيهية والاجتماعية، كما اشتركت لهم في دورات منتظمة للتدريب في كرة القدم التي يعشقونها، وفي نهاية الأسبوع يكون لدينا يوم للعائلة نتجمع فيه ونتفق على نزهة، وبهذه الطريقة أجد أن الإجازة تكون فرصة لتفريغ طاقة الأبناء وتنمية مهاراتهم.
القراءة واللعب
توصلت مجموعة من الدراسات الحديثة إلى أن المشكلة ليست في الإجازة نفسها، وإنما في اختفاء البناء اليومي المنظم الذي تفرضه المدرسة، ففي أيام الدراسة، يعيش الأبناء داخل سلسلة من المواعيد تتنوع بين الاستيقاظ، الذهاب إلى المدرسة، الحصص، الواجبات والنوم. ومع بداية الإجازة تختفي هذه الحدود فجأة، ولهذا حذرت دراسة أجرتها الأكاديمية الأمريكية لطب الأطفال من أن يكون الطفل فريسة للكسل والفراغ، وأن الاستخدام غير المتوازن للشاشات قد يزاحم احتياجات أساسية، في مقدمتها النوم والحركة والقراءة واللعب، والتواصل العائلي. وتوصي بوجود أوقات ومناطق خالية من الهواتف، خصوصاً أثناء الوجبات وفي غرف النوم وقبل النوم بساعة.
وتؤكد الدراسة أن المشكلة تتزايد مع ألعاب الفيديو التي تهدف على إبقاء المستخدم داخل اللعبة لأطول فترة ممكنة، لهذا يجب تدخل الأهل لتنظيم وقت الألعاب الرقمية للأطفال، خاصة إذا وجدوا أن الأبناء قد توقفوا عن ممارسة الرياضة وعزفوا عن الخروج والتنزه.
ولا تقتصر آثار الإجازة غير المنظمة على السلوك فقط، فالأبحاث العلمية رصدت نمطاً متكرراً يتمثل في اكتساب بعض الأطفال الوزن بسرعة أكبر خلال الصيف، مقارنة بأيام العام الدراسي بسبب قلة الحركة والكسل، لهذا توصي منظمة الصحة العالمية الأطفال والمراهقين بالحد من فترات الجلوس الطويلة، خاصة الوقت الترفيهي أمام الشاشات، وتوصية الأطفال في سن المدرسة بقضاء نحو 60 دقيقة على الأقل من النشاط البدني يومياً.