الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

اتفاق جنيف.. «بيت العنكبوت» الإيراني

21 يوليو 2026 00:09 صباحًا | آخر تحديث: 21 يوليو 00:09 2026
دقائق القراءة - 2
شارك
share
تحت سقف القاعات الفخمة في مدينة جنيف السويسرية، نُسجت في منتصف شهر يونيو الماضي خيوط ما وُصف ب «الدبلوماسية التاريخية» مع طهران، إذ قضت التفاهمات على إنهاء الحرب التي اندلعت بين الولايات المتحدة وإيران في 28 فبراير لتبدأ 60 يوماً من المفاوضات.
بيد أن القراءة المتأنية لمسار الأحداث تُظهر أن اتفاق جنيف لم يكن بالنسبة لقادة النظام الإيراني سوى مركز لشبكة عنكبوتية، استغلت الاندفاع الغربي نحو التهدئة لتكريس واقع جيوسياسي جديد يقوم على وهن الاتفاقيات الدولية من جهة، وتصاعد الاعتداءات الميدانية من جهة أخرى.
فسرعان ما اتهم المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية، إسماعيل بقائي، واشنطن، بدفع مذكرة التفاهم إلى«أزمة»، قائلاً إن الولايات المتحدة تنتهك التزاماتها باستمرار.
تكمن الإشكالية الهيكلية في اتفاق جنيف أنه ركز على احتواء طموح طهران النووي «بشكل مؤقت وقابل للاختراق»، مقابل إغفال تام لركيزتين أساسيتين هما: البرنامج الصاروخي الباليستي، والسلوك الإقليمي المزعزع للاستقرار.
لذا، وجدت طهران الفرصة لتنكص بما تم التفاهم عليه، وماطلت في تنفيذ البند الخامس من مذكرة التفاهم الذي يتعلق بمضيق هرمز وضمان المرور الآمن فيه، وعادت إلى محاولة ابتزاز العالم من خلاله بالقيام بعمليات قرصنة داخل المضيق.
هذا الفصل «التعسفي» بين الملف النووي والأمن الإقليمي، منح طهران مساحة حركة استراتيجية واسعة لبناء «بيتها العنكبوتي» في مضيق هرمز، فبينما كانت البعثات الدبلوماسية الإيرانية تفاوض في جنيف، كانت الأجهزة العسكرية والاستخباراتية، تسعى إلى تمديد الوقت لاستخدام المضيق وتوظيفه كورقة ضغط ميدانية لفرض شروطها.
المراقب للمشهد الراهن يدرك أن طهران أدارت خيوط اللعبة من جنيف للالتفاف على العقوبات، إذ تُرجم ذلك ميدانياً إلى تهديد مباشر لسلامة الملاحة الدولية.
هذا الإضعاف الممنهج لروح اتفاقية جنيف قاد طهران إلى ذروة التهور السياسي، متمثلاً في التصعيد المتزايد والتلويح المتكرر بورقة إغلاق مضيق هرمز.
ولم يعد الأمر مجرد مناوشات إقليمية، بل تحول إلى مواجهة علنية مع الإرادة الدولية لحماية حرية التجارة العالمية.
ولا ريب أن هذا السلوك كشف للعالم أن الاتفاقيات الدولية في العُرف الإيراني ليست سوى تكتيك مرحلي يُلقى به جانباً عند أول مواجهة، إلا أن النتائج جاءت عكسية تماماً، محملة بخسائر استراتيجية فادحة بعد أن فقدت مصداقيتها بالكامل.
لقد حاولت طهران نسج شِباك جنيف لتكبيل الإرادة الدولية وعزل العقوبات، فإذا بهذه الشِباك الواهية تتحول إلى قيد يطوّق دبلوماسيتها ويسرع من وتيرة انكشافها الإقليمي.
إن العبث بأمن الممرات المائية الدولية ومحاولة فرض السياسة من خلال القرصنة لن يثمر إلا مزيداً من التآكل الداخلي والعزلة الخارجية. لقد تلاشت أوهام جنيف، وبات على إيران أن تراجع نفسها نحو الالتزام بمبادئ القانون الدولي وحسن الجوار كالتزام استراتيجي لبناء السلام والتعايش، وإلا مواجهة تبعات السقوط من فوق خيوطها الواهية في غياهب المزيد من العزلة.
[email protected]

logo اقرأ المزيد

الأكثر قراءة