ينطوي التاريخ على وجوه كثيرة، ففيه وجه الحضارة الروحية بما تنطوي عليه من إبداع ثقافي، وعلمي، وفكري، وأدبي، وفني، وفيه وجه الحضارة المادية، بما أنجزه الإنسان في الحِرَف، والزراعة، والصناعة، والعمران، والتقنية التي لم يتوقف تطورها. وفيه كذلك، المدارس والجامعات، ومراكز البحث العلمي، وسائر المؤسسات التي راكمت المعرفة ووسّعت أفق الإنسان، وارتقت بشروط وجوده.
غير أن للتاريخ وجهاً آخر، هو وجهه الدموي المتمثل في الحروب بكل أنواعها، وليس من الحكمة أن أذكّركم بجميع الحروب التي شهدها العالم عبر التاريخ، ولا بالحروب التي عرفتها بلادنا، فذلك يحتاج إلى مجلدات. إنما السؤال الذي أنا بصدد طرحه هو: لماذا تقوم الحرب؟ ولماذا لم تبرأ البشرية من هذه الظاهرة التي حصدت عشرات الملايين من البشر، ودمّرت المدن، وشرّدت الشعوب، وتركت في الذاكرة الإنسانية جروحاً لا تندمل؟
إن إدانة الحروب العدوانية موقف أخلاقي، لأنها دفاع عن الحياة، وعن حق الإنسان في الأمن، والحرية، والكرامة. أما مقاومة العدوان والدفاع عن الوجود، فهما أمران مختلفان عن شن الحرب ابتغاء الغلبة، أو التوسع، أو الاستيلاء على أرض الآخرين، وثرواتهم.
وقبل أن يدلي الفلاسفة بدلوهم في الإجابة عن سؤال الحرب، كتب شاعرنا الحكيم زهير بن أبي سُلمى، قبل الإسلام، مصوراً حقيقتها المروّعة:
وما الحربُ إلا ما علمتم وذقتمُ
وما هو عنها بالحديثِ المُرجَّمِ
متى تبعثوها تبعثوها ذميمةً
وتضرَ إذا ضرّيتموها فتضرمِ
فتعرككم عركَ الرحى بثفالها
وتلقحْ كِشافاً ثم تنتجْ فتُتئمِ
وما زالت رحى الحرب تعرك المتحاربين بثفالها، أي بحجرها الأسفل الثقيل، فتسحق البشر والحجر، وتلد حرباً بعد حرب، ودماراً يتناسل من دمار.
أما أسباب الحروب، فقد بيّن ابن خلدون أن الحروب وأنواع المقاتلة لم تزل واقعة في الخليقة منذ برأها الله. وهو يردّ أصلها إلى إرادة انتقام بعض البشر من بعض، وإلى العصبية التي تدفع كل جماعة إلى نصرة أهلها، والوقوف معهم، حتى إذا توافق طرفان، أحدهما يطلب الانتقام، والآخر يدافع، وقعت الحرب.
ويقول ابن خلدون في معنى كلامه إن الحرب أمر ملازم للاجتماع البشري، لا يكاد يخلو منه جيل، ولا أمة.
وما يلفت النظر في تحليل ابن خلدون أنه لا يردّ الحرب إلى المصالح المادية والسياسية وحدها، بل يصلها أيضاً بأهواء البشر، وعصبياتهم ورغبتهم في الانتقام والسيطرة. وهنا يطرح السؤال الفلسفي والنفسي الأعمق: هل ينطوي الإنسان، في تكوينه، على نزعة أصلية إلى العنف والتدمير تفسّر استمرار الحرب؟
دعونا نؤجل الجواب عن هذا السؤال قليلاً، ريثما نعرض رأياً يتسم بالغرابة والخطورة معاً، هو رأي هيغل، الذي يوصف عادة بأنه فيلسوف العقل، والتاريخ، والدولة.
يرى هيغل، في فلسفة الحق، أن الحرب قد تؤدي وظيفة في حياة الدولة، إذ تحول دون استقرار الشعوب في السكون والركود، كما تمنع حركة الرياح البحر من التعفن. ويرى أن استعداد الفرد للتضحية بحياته من أجل الدولة يمثل ذروة من ذرى الواجب الأخلاقي.
وعندي أن الحق في مقاومة العدوان والدفاع عن النفس والوطن يختلف اختلافاً جوهرياً عن العدوان. أما تبرير الحرب العدوانية دفاعاً عن حيوية الدولة، أو مجدها، أو توسعها، فليس سوى تبرير لا أخلاقي لسفك الدماء.
أعود إلى السؤال الذي طرحته: هل الحرب ثمرة غريزة العنف الكامنة في النفس البشرية وحدها؟
في عام 1932 دار حوار شهير عن طريق الرسائل بين ألبرت أينشتاين وسيغموند فرويد، تحت عنوان: لماذا الحرب؟ سأل أينشتاين فرويد: هل من سبيل إلى تحرير البشر من ويلات الحرب؟
رأى أينشتاين أن الحروب ترتبط بمصالح، سياسية واقتصادية وعسكرية، وأن فئة قليلة تستطيع، بفضل نفوذها وسيطرتها على وسائل الإعلام والتعبئة، أن تدفع الجماهير إلى تأييد الحرب والتضحية بأنفسها، من أجل مصالح لا تخصها مباشرة. وتساءل عن إمكان إنشاء سلطة دولية عليا، تمتلك شرعية قانونية وقوة فعلية، تستطيع منع الدول من اللجوء إلى الحرب.
أما فرويد، فانطلق من نظريته في الغرائز، التي تقوم على وجود نزعتين أساسيتين في الإنسان: نزعة الحب والاتحاد والحفاظ على الحياة، ونزعة العدوان والتدمير والموت. ورأى أن الحرب هي أحد المظاهر الكبرى لنزعة التدمير حين تعبئها الجماعات والدول، وتمنحها أهدافاً، سياسية وقومية ودينية.
لقد مضى أكثر من قرن على تأسيس عصبة الأمم عام 1920، وهي المنظمة التي أُنشئت عقب الحرب العالمية الأولى أملاً في منع الحروب. غير أنها وُلدت ضعيفة، تفتقر إلى الإرادة السياسية، والقوة التنفيذية، وعجزت عن منع العدوان والتوسع العسكري، ثم اندلعت الحرب العالمية الثانية، التي حصدت عشرات الملايين من البشر.
وبعد انتهاء الحرب العالمية الثانية تأسست منظمة الأمم المتحدة عام 1945، بهدف الحفاظ على السلم والأمن الدوليين، ومنع تكرار الكارثة. لكن البشرية شهدت بعد تأسيسها، وما زالت تشهد، حروباً لا حصر لها. ولا تزال تحصد عشرات الآلاف من الأرواح، حتى كتابة هذا المقال.
