الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

بريطانيا.. و«الرجعية السياسية»

22 يوليو 2026 00:05 صباحًا | آخر تحديث: 22 يوليو 00:05 2026
دقائق القراءة - 3
شارك
share
اختلفت التقييمات لخطاب التنصيب الذي ألقاه رئيس الحكومة البريطانية الجديد آندي بيرنهام بعد إعلان فوزه بالتزكية برئاسة حزب العمال الحاكم ليصبح خلفاً لرئيس الوزراء كير ستارمر، فبينما رأى فيه نواب الحزب «تغييراً» في طريقة تواصل القيادة مع الجماهير يبشر بفترة حكم إيجابية للحزب والبلاد ورأت فيه المعارضة السياسية مجرد «لغة شعبوية» تدغدغ مشاعر الناس دون خطة واضحة لمواجهة التحديات، خلص قليل من المعلقين إلى أن الخطاب يمثل «نظرة إلى الوراء» بدلاً من التوجه نحو المستقبل.
بالفعل، كان أهم ما جاء في خطاب برنهام هو انتقاده للتغييرات الجذرية التي طبقتها حكومة حزب المحافظين بقيادة مارجريت تاتشر قبل نحو نصف قرن.
لم يقتصر ذلك الرجوع للخلف على فترة حكم تاتشر وإنما سحب بيرنهام الأمر على كل السياسيين من وقتها إلى الآن، لكن تلك الانتقادات لم تقنع كثيرين بأنها تعني مقدمة لتجاوز حكومة بيرنهام القادمة تلك «الرجعية السياسية» والمضي قدماً على طريق التقدم سياسياً واقتصادياً واجتماعياً حسب ما يتوق إليه البريطانيون.
صحيح أن سياسات حزب المحافظين وقتها أدت إلى كثير من التحديات التي تواجهها بريطانيا الآن، سياسياً واقتصادياً وحتى على صعيد دورها في العالم المحيط، ولمن اعتادوا وصف اليمين السياسي بالرجعية نذكر بأن حكومات حزب العمال، خاصة فترة حكم توني بلير وجوردون براون، عززت وعمقت تلك السياسات «التاتشرية» ما دفع البعض لاتهام «العمال» بأنهم تخلوا عن مبادئهم وتوجهوا يميناً.
إذا كان آندي بيرنهام يقصد أن كل تلك السياسات كانت خاطئة وأنها السبب في ما وصل إليه حالياً وضع بريطانيا والبريطانيين فهذا صحيح من دون أدنى شك، لكن ما جدوى ذلك الرجوع إلى الخلف؟ وما جدوى استحضار الماضي أيام حكم حزب المحافظين؟ هل المقصود أن الحكومة البريطانية الجديدة التي يترأسها خلفاً لكير ستارمر ستعمل على تغيير كل ما بدأ قبل نصف قرن؟
أشار آندي بيرنهام إلى بعض ذلك بالفعل بحديثه المسهب عن إنهاء «تركيز السياسة والثروة» وإعادة القرار للمجتمعات المحلية في كل أنحاء البلاد، وحتى عن استعادة سيطرة الدولة على الخدمات وغيرها من المصالح التي جرت خصخصتها، تلك الشعارات تعيد كثيراً من أنصار حزب العمال إلى «رجعية سياسية» أخرى وهي سياسات التأميم للخدمات من مواصلات وصحة وتعليم وشركات المياه والكهرباء والغاز وغيرها، ذلك على اعتبار أن تلك «مبادىء» الحزب الأساسية التي جرى التخلي عنها على مدى عقود.
وعد بيرنهام أيضاً بالتوسع في بناء مساكن تابعة للأحياء، أي تلك التي تمنحها المجالس المحلية لمحدودي ومعدومي الدخل من المواطنين البريطانيين، ورغم أن ذلك قد يعني رواجاً في قطاع العقار يسهم في زيادة معدلات النمو الاقتصادي للبلاد بشكل عام، إلا أن كثيراً من الاقتصاديين لا يرى ذلك حلاً اقتصادياً سليماً.
في مقابل كل تلك الوعود ستحتاج الحكومة البريطانية الجديدة إلى زيادة الضرائب لتمويل الإنفاق العام المتزايد على كل الصعد تقريباً، ولأن ذلك قد لا يكفي ستلجأ بالطبع إلى الاقتراض، ما يعني زيادة الدين العام وفجوة العجز، وكل ذلك سيمثل عقبة أمام زيادة الاستثمار الخاص، والأجنبي منه تحديداً، ولعل المثال الذي يشار إليه الآن هو تأميم الحكومة لشركة الحديد والصلب البريطانية لضمان استمرارها في العمل بعدما أحجم المستثمرون الصينيون الذين يملكونها عن ضخ مزيد من الأموال فيها.
في الواقع، بدا خطاب التنصيب لرئيس الحكومة الجديد آندي بيرنهام وكأنه يأتي من موقع المعارضة لا الحكم، فمن السهل على المعارض أن ينتقد السلطة لكن من في الحكم مطالب بتقديم الحلول وطرح السياسات التي يمكن تطبيقها للخروج من الأزمات.
قد يبدو ما ذكره بيرنهام صحيحاً لكن تجاوزه وإصلاحه ليس بسهولة أن «تلغي ما سبق» متوقعاً أن إعادة الأمور إلى الوراء نصف قرن سيحل المشاكل، فالرجوع إلى الخلف يعني ببساطة أنك ستبدأ من جديد من نقطة تعود إلى عقود سابقة، وهذا شبه مستحيل، أو على الأقل لن يؤدي بك إلى اللحاق بما يجري في العالم، ففي النهاية أنت لا تتحرك سياسياً ولا اقتصادياً بمعزل عما حولك.
ربما لا يؤدي تنصيب آندي بيرنهام إلى كارثة كالتي شهدتها بريطانيا عام 2022 مع تولي ليز تراس خلفاً لبوريس جونسون ضمن حكم المحافظين، لكنه أيضاً لا يبدو واعداً بمواجهة التحديات وحل المشاكل كما يأمل المتفائلون.
[email protected]

logo اقرأ المزيد

الأكثر قراءة