نعيش الحدث بكل جوارحنا، تختلط الأجواء التي ننخرط فيها مع مشاعرنا، فيصير المكان والزمان وما نفعله أو نتابعه كتلة تتشكل داخل ذاكرتنا وتغلّفها أحاسيسنا بكثير من العواطف، لدرجة أن يتحول هذا «الحدث» إلى جزء مهم من يومياتنا، ننتظره بشوق ونفتقده بشدة حين يغادرنا.
أي تغيير في عاداتنا اليومية، قادر على خلق حالة من الانتعاش لنا، وحالة من الارتباط بهذا الجديد المؤقت والعابر؛ فالسفر لأيام قليلة إلى مكان بعيد أو قريب، يجعلك تشعر وكأنك استفقت من نوم طويل وعميق ومن خمول في البدن، حتى وإن كنت تواظب يومياً على العمل، وتخرج من منزلك باستمرار؛ إحساس يتجول في عقلك ويسري في عروقك لدرجة أنه يمنحك نشاطاً وفرحاً وحماسة ورغبة في الاستمتاع بكل لحظة.
هذه الحال لا تنطبق على التغيير الذي تعيشه في الإجازة أو في السفر فقط، بل عشناه طوال مدة متابعتنا لكأس العالم في كرة القدم، منذ أول مباراة وحتى الحفل الختامي؛ كلنا أصبحنا من مشجعي كرة القدم، وكلنا نتحمس ونناقش ونندفع ونفرح ونحزن ونتحوّل إلى خبراء في الرياضة، وفي التحكيم حتى وإن كنا بالأصل لا نعشق الرياضة ولا كرة القدم.. حفظنا أسماء اللاعبين العرب والأجانب، وأسماء الأندية والمدربين والحكام؛ وعشنا كلنا حالة من المتعة وكأننا جددنا خلايا الروح، خرجنا من رتابة يومياتنا، تغيرت مواضيع نقاشاتنا واهتماماتنا، ولم يقتصر الفرح أو الانفعال أو التشجيع والصراخ على الشباب والأطفال، بل انضم إليهم الكبار من مختلف الفئات العمرية والمستويات الاجتماعية.. حتى المقاهي والمطاعم تزيّنت بأعلام الدول وأصبحت بوصلة روادها مرتبطة بوجود الشاشة لا «الشيشة» وعرض المباريات مباشرة على الهواء.. وحين غابت المباريات وانتهى الاحتفال، وعادت الحياة إلى إيقاعها المعتاد، شعر كل فرد بفراغ ما، وكأنه يفتقد شيئاً عزيزاً عليه.
نحتاج كلنا إلى هذا الارتباط العاطفي بأشياء وأحداث وأماكن وأجواء لنجدد خلايا الروح ولتنتعش النفوس؛ وكلنا نشعر بالفراغ كلما ارتبطنا بحدث ما وانشغلنا به لأيام، ثم وصل إلى الختام؛ حتى الحدث الأسري الذي ننشغل بالإعداد له لأيام متواصلة يترك لدينا إحساساً بالفراغ حين ننتهي من إنجازه، لا نحتاج إلى إجازة صيفية كي نجدد نشاطنا وأفكارنا ونشعر بالتنوع بالاسترخاء والراحة الداخلية، فقط.. يكفي أن نخلق مساحات للتغيير والتجديد وأن نمنح أنفسنا فرصة للاستمتاع بتفاصيل صغيرة تترك فرحة ربما تكون مؤقتة ولكنها بالتأكيد ستكون منعشة للروح والفكر.
