المعجم التاريخي للغة العربية، هو في العمق معجم الأمة الذي يدون مفرداتها، ويوثق تطور كل كلمة بمعناها ودلالتها وسياق استخدامها وفضاء تداولها، وعندما نفتحه فنحن في الحقيقة لا نطل على اللغة وحسب، ولكننا نشاهد تاريخ العرب يتحرك أمامنا من خلال شعرهم ونثرهم، أيامهم وملاحمهم، أمثالهم وحكمهم، ومع كل هذا نشعر بآمالهم وطموحاتهم وأمنياتهم وما فكروا فيه، وما حلموا به..
ونظراً لفرادة المعجم في معناه ومبناه نقتبس منه في هذه الزاوية في كل أسبوع قبساً يضيء جانباً من روح الأمة التي يحق لها أن تفرح وتفخر بهذا المعجم.
رَجَعَ
لفظ رَجَعَ من المفردات العربية الغنية بالدلالات وتستخدم بكثرة منذ القدم وحتى يومنا هذا، ويشير في معانيه الكلية إلى «العَوْدُ والارْتِدادُ»، و«التكرار»، ومن تلك المعاني يأتي سيل من الاستخدامات والتوظيفات الدالة على سعة العربية وقدرتها على التطويع والاشتقاقات والتوليد.
أما على مستوى الفعل فرَجَعَ (بِفَتْحِ الجيمِ) فُلانٌ وغَيْرُهُ يَرْجِعُ (بِكَسْرِ الجيمِ) رَجْعاً ورُجوعاً، ومَرْجِعاً، ومَرْجِعَةً، ورُجْعى، ورُجْعانًا: عادَ إِلى ما كانَ مِنْهُ البَدْءُ، أَوْ إِلى حالِهِ الأولى.
واستخدم اللفظ في عصور عربية كثيرة، وعلى ذلك الكثير من الشواهد الشعرية والنثرية وغيرها، ففي عصر ما قبل الإسلام، يرد قول لكَعْبُ بْنُ لُؤَيٍّ(ت: 227ق.ه=401م) وفيه يَعِظُ قُرَيْشًا، وقَدْ جَمَعَهُمْ يَوْماً:
«اسْمَعوا، وعوا، وتَعَلَّموا، تَعْلَموا، فصِلوا أَرْحامَكُمْ، واحْفَظوا أَصْهارَكُمْ، وثَمِّروا أَمْوالَكُمْ وأَصْلِحوا أَحْوالَكُمْ، فهَلْ رَأَيْتُمْ مِنْ هالِكٍ رَجَعَ، أَمْ مَيِّتٍ نُشِرَ؟». وأورده العسكري في كتاب «الأوائل».
وفي العصر الإسلامي، قول النَّبِيّ (10ه=631م) في حَجَّةِ الوَداعِ:
«وَيْحَكُمْ، أَوْ قالَ: وَيْلَكُمْ: لا تَرْجِعوا بَعْدي كُفّاراً يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقابَ بَعْضٍ».
أما في القرآن الكريم فقد قالَ اللهُ:
«إِلَى ٱللَّهِ مَرجِعُكُم جَمِيعا فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُم تَعمَلُونَ» (المائدة: 105)
كما قالَ عَدِيُّ بْنُ عَوْفٍ (ت: 13ه=634م) يُحَرِّضُ قَوْمَهُ عَلى التَّمَسُّكِ بِالإِسْلامِ، وتَنَكُّبِ طَريقِ الرِّدَّةِ:
يا قَوْمِ إِنِّي ناصِحٌ لا تَرْجِعوا
في الكُفْرِ واتَّبِعوا مَقالَ النّاصِح
لا تَرْجِعوا عَنْ دينِكُمْ في رِدَّةٍ
بَغْيًا فإِنَّ البَغْيَ أَمْرٌ فاضِح.
وفي العصر العباسي، قالَ ابْنُ هَرْمَةَ القُرَشِيُّ (ت: 176ه=792م) يُجيبُ مَنْ سَأَلوهُ عَنْ رَأْيِهِ، ومَوْقِفِ النّاسِ مِنَ الثّائِرِ الهاشِمِيِّ:
فلَسْتُ عَلى رَجْعِ الكَلامِ بِقادِرٍ
إِذا القَوْلُ مِنْ زَلّاتِهِ فارَقَ الفَما.
مشى
و«مشى»، جذر ثلاثي، ويشير في معانيه الكلية إلى «حركة الإنسان وغيره»، و«النَّمَاءُ والزِّيادَةُ»، و«دَواءٌ»، وظل ذلك الجذر يحمل تلك الدلالات إلى عصرنا الحالي، ويتم توظيفه في لغة الحديث اليومية حتى في اللهجات العامية في الدول العربية المختلفة.
وعلى مستوى الفعل، مَشى فُلانٌ يَمْشي مَشْيًا، وتِمْشاءً: سارَ وانْتَقَلَ مِنْ مَكانٍ إِلى مَكانٍ بِإِرادَةٍ، فهُو ماشٍ. (ج) مُشاةٌ، واستخدم بهذا المعني والدلالة في جميع العصور العربية.
ففي حقبة ما قبل الإسلام ورد قول هِنْدُ بِنْتُ الخُسِّ (ت: 202ق.ه=426م) تُجيبُ مَنْ سَأَلَها عَنْ أَفْسَلِ النِّساءِ:
«الَّتي إِذا مَشَتْ أَغْبَرَتْ، وإِذا نَطَقَتْ صَرْصَرَتْ، مُتَوَرِّكَةً جارِيَةً، تَتْبَعُها جارِيَةٌ، في بَطْنِها جارِيَةٌ».
أما في العصر الإسلامي فقد ورد في القُرْآنِ الكَريمِ (11ه=632م) قالَ اللهُ:
«وَقَالُواْ مَالِ هَٰذَا ٱلرَّسُولِ يَأكُلُ ٱلطَّعَامَ وَيَمشِي فِي ٱلأَسوَاقِ لَولَآ أُنزِلَ إِلَيهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا» الآية رقم «7»، من سورة «الفرقان».
وقالَ النَّبِيُّ (ت: 11ه=632م) يُبَيِّنُ فَضْلَ الجُمُعَةِ:
«مَنْ غَسَّلَ يَوْمَ الجُمُعَةِ واغْتَسَلَ، وبَكَّرَ وابْتَكَرَ، ومَشى ولَمْ يَرْكَبْ، كانَ لَهُ بِكُلِّ خُطْوَةٍ صِيامُ سَنَةٍ وقِيامُها».
قول
لفظ «قول»، هو جذر ثلاثي، يشير في معانيه الكلية إلى «النطق»، وهو من الألفاظ التي ظلت تستخدم بكثرة، ولا تزال توظف بصورة يومية بما يفيد النطق والحديث واللغة، وهو يؤكد القدرة الكبيرة للعربية على الاستمرار والتطور وبراعة التعبير.
والفعل «قال»، ومنها: قال فلان وغيره قولا. واستخدم في العصور العربية المتعاقبة.
وفي العصر الإسلامي، قالَ النَّبِيُّ:
«لا يَمْنَعَنَّ أَحَدَكُمْ أَذانُ بِلالٍ مِنْ سَحورِهِ، فإنَّهُ يُؤَذِّنُ -أَوْ قَالَ: يُنَادي- لِيَرْجِعَ قَائِمَكُمْ ويُنَبِّهَ نَائِمَكُمْ، ولَيْسَ الفَجْرُ أَنْ يَقولَ هَكَذَا - وجَمَعَ يَحْيى «راوي الحَديثِ»كَفَّيْهِ- حَتّى يَقولَ هَكَذَا». ومَدَّ يَحْيى «راوي الحَديثِ» إِصْبَعَيْهِ «السَّبّابَتَيْنِ».
أما في العصر العباسي فقد ورد قول ابْنُ قُتَيْبَةَ «ت: 276»:
«وقَدْ تَبَيَّنَ لِمَنْ قَدْ عَرَفَ اللُّغَةَ، أنَّ القَوْلَ يَقَعُ فيهِ المَجازُ، فيُقالُ: قالَ الحائِطُ فَمالَ، وقُلْ بِرَأْسِكَ إلَيَّ، أي أَمِلْهُ، وقالَتِ النّاقَةُ، وقالَ البَعيرُ».