الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

العالم الرقمي والمسؤولية القانونية

26 يوليو 2026 21:48 مساء | آخر تحديث: 26 يوليو 21:49 2026
دقائق القراءة - 3
شارك
share
حتى وقت قريب، كانت التطبيقات القضائية والفقه القانوني تتعامل مع المسؤولية القانونية ضمن نطاق الأفعال المادية المحددة، كإبرام عقد مكتوب، أو تحرير محرر ورقي، أو وقوع فعل ضار في العالم الواقعي يمكن تحديد فاعله وآثاره القانونية بصورة مباشرة، أما اليوم فقد أحدث التحول الرقمي تمدداً جوهرياً في المبادئ الاستقرارية للمسؤولية، وتحولت التصرفات اليومية التي تتم عبر الوسائط الرقمية من مجرد تفاعلات إلكترونية إلى أفعال قانونية منتجة لآثارها متى ترتب عليها مساس بحقوق أو مصالح يحميها القانون.
لقد فرضت البيئة الرقمية واقعاً تشريعياً جديداً، فلم يعد السؤال التقليدي في الفقه القانوني يقتصر على: من ارتكب الفعل المادي؟ بل تشعبت الرابطة السببية لتطرح تساؤلات أكثر تعقيداً: من أنشأ المحتوى؟ ومن أسهم في نشره؟ ومن أعاد تداوله؟ وما هي الإرادة الآثمة الكامنة وراء هذا الانتشار؟
وفي دولة الإمارات العربية المتحدة، التي استبقت هذا التحول ببناء منظومة تشريعية رقمية هي الأكثر تطوراً ومواكبةً، لم يعد الوعي بالالتزامات الرقمية رفاهية معرفية، بل أصبح التعامل مع الفضاء الإلكتروني باعتباره مجالاً واقعياً لممارسة الحقوق والحريات وترتيب الالتزامات القانونية.
يعتقد الكثير من مستخدمي تطبيقات التواصل الاجتماعي والمراسلة الفورية أن المسؤولية القانونية تنحصر فقط في المبتدئ للرسالة أو منشئ المحتوى الأول. بيد أن المقاربة القانونية في التشريع الإماراتي تبنت معياراً أوسع، حيث قد تشكل إعادة الإرسال أو المشاركة فعلاً موجباً للمساءلة القانونية متى انصب الفعل على محتوى يجرمه القانون وتوافرت العناصر اللازمة لقيام المسؤولية.
فوفقاً لأحكام المرسوم بقانون اتحادي رقم (34) لسنة 2021 في شأن مكافحة الشائعات والجرائم الإلكترونية، فإن إعادة تداول أخبار كاذبة، أو محتوى ينطوي على سب وقذف، أو يمس بالسلم المجتمعي، تضع القائم بإعادة النشر تحت طائلة العقاب بصورة مستقلة، دون الاعتداد بكونه ليس الكاتب الأصلي. فالقانون لا يعتد بحجم المجموعة سواء كانت عائلية أو مهنية مغلقة، بل ينظر إلى طبيعة المحتوى وجسامة الضرر المترتب عليه.
لم يقتصر التطور على شق التجريم والمسؤولية، بل امتد ليتوج المحررات الرقمية كأدلة إثبات رئيسية أمام القضاء. واستناداً إلى قانون الإثبات في المعاملات المدنية والتجارية الصادر بالمرسوم بقانون اتحادي رقم (35) لسنة 2022، أصبحت للرسائل الإلكترونية، والمراسلات عبر وسائل التقنية الحديثة بما فيها المحادثات الرقمية الموثقة، ذات الحجية المقررة للأوراق العرفية في الإثبات، إلا أن هذه الحجية ليست مطلقة، إذ تخضع دائماً لتقدير محكمة الموضوع للتحقق من سلامة الدليل، ومصدره، وعدم تعرضه للتلاعب، ومشروعية الحصول عليه بحيث لا يكون نتاج اختراق أو انتهاك لخصوصية الغير.
ويأتي جميع هذا التطور ضمن رؤية تشريعية حديثة تبنتها دولة الإمارات تقوم على بناء منظومة وقائية تستهدف الحد من المخاطر قبل تحققها، ويجسد ذلك التوجه قرار مجلس الوزراء رقم (106) لسنة 2026 بشأن تنظيم وصول الأطفال إلى منصات التواصل الاجتماعي، الصادر مؤخراً باعتباره نموذجاً للتدخل التشريعي الاستباقي في مواجهة التحديات المستجدة في البيئة الرقمية والتي تمس أهم شريحة في المجتمع.
فقد وضع القرار إطاراً تنظيمياً يعزز المسؤولية المشتركة بين الأسر والجهات المشغلة للمنصات الرقمية، من خلال فرض التزامات تهدف إلى توفير بيئة إلكترونية أكثر أماناً للأطفال، بما في ذلك اتخاذ التدابير التقنية والتنظيمية المناسبة للتحقق من أعمار المستخدمين، وتعزيز أدوات الحماية والرقابة، والحد من المخاطر التي قد تنتج عن الاستخدام غير المنضبط لهذه المنصات. ويعكس هذا النهج انتقال دور التشريع من مجرد ترتيب الآثار القانونية بعد وقوع الضرر إلى بناء قواعد وقائية تراعي طبيعة المخاطر الرقمية المتغيرة وتحمي الفئات الأكثر عرضة للتأثر بها.
وبينما نعيش اليوم في عام 2026، لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد أداة تقنية، بل أضحى فاعلاً مستقلاً يطرح إشكاليات قانونية معقدة حول: من يسأل عن الأخطاء والتحيزات الصادرة عن الأنظمة الذكية؟ ومن يملك المحتوى المُنشأ بواسطتها؟
إن القواعد التقليدية للمسؤولية التقصيرية المستندة إلى «فعل الإنسان» بدأت تضيق أمام هذه المعطيات، مما دفع المشرع الإماراتي والمجالس الاستشارية القانونية بالدولة للعمل المستمر على صياغة أطر تنظيمية خاصة بالذكاء الاصطناعي وحوكمة البيانات الضخمة لضمان بيئة تقنية آمنة ومسؤولة، وعلى سبيل المثال فإن الهاتف الذي نحمله في جيوبنا لم يعد مجرد أداة اتصال، بل هو بالمنظور القانوني: منصة نشر عامة، مستودع بيانات سيادي، أداة لإبرام العقود والتصرفات، ومصدر منشئ للأدلة الجنائية والمدنية. وعليه، فإن الوعي القانوني الرقمي لم يعد تخصصاً يقتصر على رجال القانون، بل غدا ثقافة مجتمعية إلزامية. ففي عالم تتحول فيه الضغطة على زر «إرسال» أو «إعادة توجيه» إلى التزام قانوني أو جناية محتملة، يجب أن ندرك جميعاً أن المسؤولية القانونية في العصر الرقمي لا تبدأ عند وقوع الضرر... بل تبدأ من أطراف أصابعنا.
* مستشار قانوني 

logo اقرأ المزيد

الأكثر قراءة