الخليج ،صحيفة يومية تصدر عن دار الخليج للصحافة والطباعة والنشر بمدينة الشارقة بدولة الإمارات العربية المتحدة، أنشئت عام 1970 على يد الشقيقين المرحومين تريم عمران تريم وعبدالله عمران تريم | Author

الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة
Author
محمد أبو شعبان
مستشار
أحدث مقالات محمد أبو شعبان
21 أبريل 2026
منصور بن زايد وحماية الشركات العائلية

في خطوة تعكس نضج المنظومة التشريعية في إمارة أبوظبي، أصدر سمو الشيخ منصور بن زايد آل نهيان، نائب رئيس الدولة نائب رئيس مجلس الوزراء رئيس ديوان الرئاسة، بصفته رئيس دائرة القضاء، القرار رقم (3) لسنة 2026 بشأن تشكيل لجان فض نزاعات الشركات العائلية في إمارة أبوظبي، كمبادرة نوعية تستهدف أحد أكثر الملفات حساسية في بيئة الأعمال المحلية.

ولا ينظر إلى هذا القرار بوصفه إجراءً تنظيمياً تقليدياً، بل هو تدخل تشريعي مدروس لحماية ركيزة أساسية من ركائز الاقتصاد الوطني، حيث تمثل الشركات العائلية النسبة الكبرى من النشاط الاقتصادي في الدولة، وتمتد آثارها إلى قطاعات متعددة، من العقار إلى الصناعة والتجارة والخدمات.

في جوهره، يعالج القرار إشكالية معقدة طالما واجهت هذا النوع من الشركات، وهي النزاعات الداخلية التي تنشأ بين الشركاء من أفراد العائلة، خاصة عند انتقال الملكية بين الأجيال، فهذه النزاعات، وإن بدت في ظاهرها قانونية، إلا أنها في حقيقتها تتشابك مع اعتبارات اجتماعية وعاطفية، ما يجعل معالجتها عبر المسار القضائي التقليدي أقل كفاءة وأطول زمناً.

ومن هنا، جاء إنشاء لجان متخصصة تضم قضاة وخبراء في الجوانب القانونية والمالية، لتوفير منصة أكثر مرونة وقدرة على استيعاب طبيعة هذه النزاعات. ويُحسب لهذا التوجه أنه ينقل التعامل مع النزاع من إطار الخصومة القضائية إلى إطار الحلول المتوازنة التي تراعي استمرارية الكيان الاقتصادي.

كما منح القرار هذه اللجان صلاحيات عملية مؤثرة، تشمل اتخاذ تدابير وقتية ومستعجلة للحفاظ على استمرارية الشركات ومنع تعطل أعمالها، وهو ما يعكس فهماً عميقاً لخطورة توقف النشاط التجاري خلال النزاعات. فالمسألة هنا لا تتعلق فقط بحسم الخلاف، بل بضمان بقاء الشركة ذاتها.

وفي سياق متصل، يبرز توجه واضح نحو تعزيز ثقافة التسوية الودية، حيث أعطى القرار أولوية لما يتم الاتفاق عليه في عقود تأسيس الشركات أو أنظمتها، مع فتح الباب أمام حلول قائمة على الوساطة عند غياب تلك النصوص. وهذا يعكس تحولاً مهماً في الفكر القانوني، من فرض الحلول إلى تشجيع الأطراف على صناعتها بأنفسهم.

ومن الجوانب اللافتة أيضاً، التركيز على عنصر السرية في إجراءات اللجان، وهو عامل بالغ الأهمية في هذا النوع من النزاعات، نظراً لما قد يترتب على العلنية من تأثيرات سلبية على سمعة الشركات وثقة المتعاملين معها. فالقرار يدرك أن حماية السمعة لا تقل أهمية عن حماية الحقوق.

وعلى صعيد بيئة الاستثمار، يرسل القرار رسالة واضحة بأن أبوظبي لا توفر فقط بيئة جاذبة للأعمال، بل تمتلك أيضاً منظومة متكاملة لإدارة النزاعات بكفاءة وسرعة، بما يعزز ثقة المستثمرين المحليين والدوليين على حد سواء.

في المحصلة، يمكن القول إن هذا القرار يمثل خطوة متقدمة في تنظيم الشركات العائلية، ليس فقط من زاوية فض النزاعات، بل من حيث ترسيخ مفاهيم الحوكمة والاستدامة. وهو في الوقت ذاته دعوة ضمنية للمؤسسين لإعادة النظر في هياكل شركاتهم وآليات إدارتها، بما يضمن انتقالاً سلساً بين الأجيال، ويقلل من احتمالات الخلاف.

إن حماية الاقتصاد تبدأ من حماية وحداته الأساسية، والشركات العائلية في دولة الإمارات تمثل أحد أهم هذه الوحدات. 

* مستشار قانوني

29 مارس 2026
«القوة القاهرة» وواقع الإمارات المستقر

محمد أبو شعبان*

من نعم الله أن نعيش في دولة الإمارات العربية المتحدة، هذه الدولة التي استطاعت، بفضل قيادتها الرشيدة وبفضل ما تميزت به من رؤية بعيدة واستشراف دائم للمستقبل، أن ترسّخ نموذجاً تنموياً متقدماً أصبح محل احترام وتقدير على مستوى العالم. فمنذ سنوات طويلة اختارت الإمارات أن تكون دولة الاستقرار والإنجاز والسلام، دولة المؤسسات القادرة على التخطيط المسبق وإدارة التحديات بثقة وهدوء، الأمر الذي جعلها تتبوأ مكانة متقدمة عالمياً من حيث جودة الحياة، والنمو الاقتصادي، والأمن المجتمعي.
واليوم، ومع ما تشهده المنطقة من تطورات متسارعة وإعتداءات وهجمات إيرانية سافرة، تثبت دولة الإمارات مرة أخرى قدرتها على التعامل مع مختلف الظروف بحكمة واتزان. فالجهات المعنية تعمل بكفاءة عالية، ومؤسسات الدولة تواصل أداء دورها كالمعتاد، والقطاع الخاص يمارس أعماله بصورة طبيعية، والأسواق مفتوحة، والحركة الاقتصادية مستمرة دون تعطّل. وبعبارة أخرى، فإن الحياة اليومية داخل الدولة تسير بوتيرتها المعتادة كما كانت قبل هذه الأحداث.
ورغم وضوح هذا الواقع، يبرز بين الحين والآخر من يحاول توصيف الظروف الحالية بأنها تمثل حالة من حالات «القوة القاهرة»، وهو توصيف يستوجب الوقوف عنده من زاوية قانونية دقيقة، خاصة في ظل ما قد يترتب عليه من آثار تعاقدية مهمة.
فالقوة القاهرة في المفهوم القانوني ليست مجرد وصف عام لأي ظرف طارئ أو حدث استثنائي. بل هي مفهوم قانوني محدد له شروط واضحة ومستقرة في الفقه والقضاء. وقد تناول القانون المدني لدولة الإمارات العربية المتحدة هذا المفهوم صراحة في المادة (273) التي نصت على أنه: (في العقود الملزمة للجانبين إذا طرأت قوة قاهرة تجعل تنفيذ الالتزام مستحيلاً انقضى الالتزام المقابل له، وانفسخ العقد من تلقاء نفسه). ويُفهم من هذا النص أن المشرّع الإماراتي ربط تطبيق القوة القاهرة بشرط أساسي وجوهري، وهو استحالة تنفيذ الالتزام استحالة تامة. فهناك فرق كبير بين الاستحالة من جهة، وبين مجرد الصعوبة أو الاضطراب المؤقت أو زيادة الأعباء من جهة أخرى.
كما استقر الفقه القانوني على أن القوة القاهرة لا تقوم إلا إذا توافرت ثلاثة شروط رئيسية: أن يكون الحدث غير متوقع، وأن يكون خارجاً عن إرادة الأطراف، وأن يؤدي إلى جعل تنفيذ الالتزام مستحيلاً استحالة مطلقة لا يمكن دفعها أو تلافي آثارها.
وعند النظر إلى الواقع العملي في دولة الإمارات اليوم، يتبين بوضوح أن هذه الشروط غير متوافرة. فمؤسسات الدولة تعمل بصورة طبيعية، والجهات الحكومية تستقبل المعاملات وتصدر الموافقات، والمحاكم تمارس اختصاصها، والقطاع الخاص يواصل نشاطه دون انقطاع، كما أن الأسواق مفتوحة وسلاسل الإمداد مستمرة.
وبناءً عليه، فإن وصف الظروف الحالية بأنها قوة قاهرة لا يجد له سنداً قانونياً حقيقياً، لأن المعيار القانوني الحاسم في هذا السياق هو استحالة التنفيذ وليس مجرد وجود أحداث أو توترات في الإطار الإقليمي أو الدولي. ومن هنا، فإن التوسع في استخدام مفهوم القوة القاهرة خارج نطاقه القانوني الدقيق قد يؤدي إلى تفسير غير صحيح للعقود والالتزامات، وربما يشجع البعض على محاولة التنصّل من التزامات تعاقدية قائمة رغم أن ظروف التنفيذ مازالت متوافرة عملياً وقانونياً.
إن البيئة القانونية في دولة الإمارات قامت منذ البداية على مبدأ راسخ يتمثل في استقرار المعاملات واحترام العقود، وهو ما يشكل حجر الأساس للثقة في أي اقتصاد حديث. ومن ثم، فإن الأصل في العلاقات التعاقدية هو الالتزام بتنفيذ ما تم الاتفاق عليه. ومن واقع الممارسة القانونية العملية، يمكن القول إن ما نشهده اليوم لا يرقى بأي حال إلى وصف القوة القاهرة بالمعنى الذي قصده المشرّع في القانون المدني. وأي تمسك بهذا الوصف دون وجود ظرف استثنائي محدد يجعل التنفيذ مستحيلاً فعلاً سيظل موضع نقاش قانوني جدّي أمام الجهات القضائية المختصة.
لقد اعتادت دولة الإمارات أن تتعامل مع التحديات بثقة وهدوء، وأن تحافظ على استقرارها المؤسسي والاقتصادي حتى في أكثر الظروف حساسية. ولذلك فإن ما يجري اليوم لا يغيّر من حقيقة ثابتة، وهي أن الإمارات ما زالت تمضي بثبات في مسارها الطبيعي، وأن منظومتها القانونية والاقتصادية ما زالت قائمة على الاستقرار والوضوح واحترام الالتزامات.
وفي نهاية المطاف، يبقى المبدأ القانوني واضحاً: القوة القاهرة ليست وصفاً يُطلق على كل ظرف طارئ، بل حالة قانونية استثنائية لا تقوم إلا إذا أصبحت استحالة التنفيذ حقيقة لا جدال فيها.
* مستشار قانوني

11 يناير 2026
مرونة منظومة التشريعات الإماراتية

محمد أبو شعبان

تجاوزت المنظومة القانونية في دولة الإمارات الدور التقليدي للقانون، القائم على سنّ التشريعات عبر مراحل طويلة ومعقّدة، لتصبح اليوم أداة حيوية تواكب إيقاع الحياة المتسارع، وتستجيب بوعي ودقة للتغيرات الاقتصادية والاجتماعية والتقنية، فضلاً عن معالجة بعض الثغرات القانونية التي تفرزها الممارسات الحديثة.
وفي ظل سباق التنافسية العالمية وريادة المستقبل، أدركت دولة الإمارات أن السبق الحقيقي يكمن في تطوير وتحديث المنظومة التشريعية وتفعيلها بصورة مستمرة بما يتلاءم مع مستجدات العصر، فلم يعد القانون مجرد مجموعة من القواعد التنظيمية الجامدة، بل أضحى آلية حوكمة استباقية تُصمَّم لاستيعاب الابتكارات، وتأمين التحولات الاقتصادية الكبرى، وتمكين المجتمع الرقمي، بما يعزز مكانة الدولة كمركز إقليمي ودولي رائد، ويتبين ذلك جلياً في متابعة التحديثات في الساحة التشريعية خلال الربع الأخير من عام 2025، وما شهدته الأسابيع الماضية تحديداً من تعديلات ومبادرات قانونية نوعية.
ويلاحـــظ أن هــذه التشريــعات المحدثــة لـــم تصدر بمعزل عن الواقع العملي، بل جاءت لمعالجــة إشكالات قــائمة، وسد فراغات تشريعيــة أفرزتهـــا الممارسات الحديثـــة، ســـواء في المجال المالي أو الجنائـــي أو التنظيمي، وهو مــا يعكس نهجاً تشريعياً يقوم على الاستباق لا ردّ الفعل، وفي الإطار ذاته، امتد هذا النهج المرن ليشمل تشريعات محورية أخرى تم تحديثها أو إعادة تنظيمها بموجب مراسيم بقوانين اتحادية، كان لها أثر مباشر في إعادة ضبط البيئة القانونية والتنظيمية في الدولة.
ففي مجال تنظيم بيئة الأعمال، جاءت التعديلات الأخيرة على قانون الشركات بموجب مرسوم بقانون اتحادي رقم 20 لسنة 2025 بشأن تعديل بعض أحكام المرسوم بقانون اتحادي رقم 32 لسنة 2021 بشأن الشركات التجارية، لتعكس توجهاً تشريعياً واضحاً نحو تعزيز المرونة في الهياكل القانونية للشركات، وتسهيل ممارسة الأنشطة الاقتصادية، واستيعاب المتغيرات التي فرضها تطور نماذج الأعمال والاستثمار. وقد أسهمت هذه التعديلات في دعم تنافسية السوق، وتحقيق التوازن بين متطلبات الحوكمة ومرونة التشغيل، بما يخدم المستثمرين ويعزز الثقة في الإطار القانوني المنظم للأعمال.
وعلى صعيد الإجراءات القضائية، فقد صدر تحديث لبعض أحكام المرسوم بقانون اتحادي بشأن الإجراءات المدنية وقد اشتمل على مرونة في مواكبة متطلبات العدالة الناجزة، من خلال تبسيط الإجراءات، وتعزيز استخدام الوسائل الرقمية، وإعادة تنظيم بعض المسارات الإجرائية بما ينسجم مع طبيعة النزاعات الحديثة. ويعكس هذا التحديث إدراك المشرّع لأهمية أن تكون القواعد الإجرائية داعمة لسرعة الفصل في الخصومات، دون المساس بضمانات التقاضي أو حقوق الأطراف.
وفي البعد الاجتماعي والإنساني، برز المرسوم بقانون الاتحادي بشأن الأطفال مجهولي النسب كنموذج متقدم للتشريع المرن المرتبط بتحولات الواقع المجتمعي، إذ جاء هذا التشريع ليضع إطاراً قانونياً واضحاً يعالج أوضاعاً كانت تحتاج إلى تنظيم بما يضمن حماية هذه الفئة، وصون كرامتها، وتنظيم أوضاعها القانونية والاجتماعية بصورة متوازنة تراعي المصلحة الفضلى للطفل.
كما تؤكد التجربة التشريعية لدولة الإمارات خلال عام 2025 أن المرونة أصبحت عنصراً أصيلاً في فاعلية المنظومة القانونية واستدامتها، لا مجرد استجابة ظرفية للتغيرات، فقد أظهر النهج التشريعي المتبع قدرة واضحة على التكيّف مع التحولات الاقتصادية والاجتماعية والتقنية، مع الحفاظ على استقرار المراكز القانونية وضمان وضوح القواعد المنظمة.
وتتمثل القيمة الحقيقية لهذه المرونة في ما تحققه من توازن دقيق بين سرعة التحديث ومتطلبات الأمن القانوني، بما يعزز ثقة المتعاملين، ويدعم بيئة الأعمال والمستثمرين، ويرفع من كفاءة المنظومة القضائية والتنظيمية، كما تسهم في تمكين التشريعات من مواكبة التحول الرقمي وتطور أنماط التعامل الحديثة دون إحداث اضطراب تشريعي أو إجرائي.
وبذلك، تكرّس منظومة التشريعات الإماراتية نموذجاً متقدماً يقوم على المرونة الواعية، ويجعل من القانون أداة فاعلة لمواكبة تطورات الحياة وتحقيق التنمية المستدامة، بما يعزز مكانة الدولة كبيئة قانونية حديثة قادرة على استشراف المستقبل بثقة واستقرار، وقدرتها على جذب مختلف فئات المستثمرين والأعمال، بما يحقق قيمة مضافة حقيقية ومستدامة لدولة الإمارات.
* المستشار القانوني «تاج مستشارون قانونيون»

16 أكتوبر 2025
أحكام القانون في مواجهة نرجسية الإدارة

محمد أبو شعبان *

للوهلة الأولى عند لمحة العنوان، يتبادر إلى الأذهان التناقض في المفهومين: فالقانون هو ميزان العدالة في المجتمع، بينما تمثل النرجسية اختلال الموازين الإدارية والقانونية، إذ أنها تتمحور حول تقدير الذات بشكل مفرط على حساب الآخرين، مما قد يعيق تطبيق العدالة أو فهمها بطريقة موضوعية، في هذا المقال، سنتناول العلاقة بين النرجسية وتأثيرها على السلوك القانوني، وكيف يمكن للقوانين والأنظمة التعامل مع تحديات الأفراد ذوي السمات النرجسية في إطار إدارتهم للمؤسسات والشركات لضمان تحقيق العدالة وحماية المؤسسات والشركات والعاملين فيها من آثارها السلبية، والذي ينعكس بدوره على الاقتصاد.
فبلا شك أن النرجسية الإدارية هي أحد أكبر معيقات تنفيذ القانون، فعندما تتصف الإدارة بالنرجسية قد تؤدي ممارستها إلى تجاوزات قانونية أو تجاهل اللوائح والنظم القانونية والشفافية والموضوعية وقد لا ترقى هذه التصرفات النرجسية إلى مخالفة قواعد القانون لكنها بالتأكيد تخالف أسس العدالة، مما يشكل تحديات على ضبط الانتهاكات وحماية الحقوق القانونية للأطراف المختلفة.
وعلى الرغم أن النرجسية الإدارية ليست مصطلحاً قانونياً بحتاً، إلا أنها تصنف ضمن مظاهر سوء الإدارة أو إساءة استخدام السلطة ويزداد خطر النرجسية وضوحاً حين تتصادم رغبات الإدارة النرجسية مع أحكام القانون، إذ تتحول بيئة العمل إلى ساحة نزاعية قد تقود إلى انتهاك القوانين وبلا شك فإن هذه الظاهرة تنتشر بشكل واضح في الشركات الخاصة الصغيرة والشركات العائلية، وقد تبرز هذه النرجسية في عدة صور من خلال وضع العاملين في هذه الجهات تحت ضغوطات أو ممارسة التنمر، أو إغرائهم بامتيازات أو حتى كتجاهل اللوائح والقوانين، على سبيل المثال: تجاوز حدود التفويض المالي أو الإداري، أو إهمال الإجراءات القانونية اللازمة، واستغلال المنصب لتحقيق مصالح شخصية أو احتكار السلطة، والإضرار بحقوق الموظفين أو الشركاء: كعدم دفع مستحقات، تعديل العقود بشكل أحادي، أو فرض قرارات تعسفية، وتطول الأمثلة. وهنا يظهر الدور الجوهري للقانون في ردع هذه الانحرافات وحماية التوازن المؤسسي، حيث عالجت التشريعات الحديثة هذه الممارسات عن طريق تقييدها بإطارٍ قانونيٍ وإجرائيٍ لفرض الرقابة على السلطة ومنع إساءة استخدامها عن طريق فرض لوائح واضحة لحوكمة الشركات ومنع تضارب المصالح مروراً بالرقابة القضائية التي تتيح للأطراف المتضررة مقاضاة الإدارة ومحاسبتها وصولاً إلى الإجراءات الوقائية كتعزيز الشفافية وتعيين مدققين قانونيين مستقلين ونشر سياسات تحارب سوء الإدارة.
ويتجلى دور أفراد القانون من مستشارين ومحامين لتلك الجهات لتفعيل الحوكمة بفرض قواعد القانون إذ أنها تعمل كخط دفاع مزدوج تمنع الإدارة النرجسية من السيطرة المطلقة، وتوفر أدوات قانونية وإدارية لمحاسبتها حال تجاوزها للقانون أو المصلحة العامة عن طريق فصل السلطات داخل المؤسسات والشركات بما يمنع احتكار القرار، وفرض الشفافية والإفصاح عن القرارات الجوهرية، وتؤسس لمسارات واضحة للمساءلة والمراجعة، كما أنها تغرس ثقافة مؤسسية قائمة على الأخلاق والمسؤولية.وبالمقابل فإن شركات المساهمة تعد نموذجاً مؤسسياً رائداً في مواجهة تحديات النرجسية الإدارية، نظراً لما تمتاز به من هياكل تنظيمية وقواعد حوكمة صارمة تفرض توازن السلطات وتحد من التفرد بالقرار، فالأحكام القانونية المنظمة لهذه الشركات، بدءاً من متطلبات انتخاب مجلس إدارة مستقل من قبل المساهمين، مروراً بآليات الرقابة الداخلية والخارجية مثل لجان التدقيق والمراجعة المالية المستقلة، وصولاً إلى الشفافية والإفصاح الدوري عن القرارات المالية والإدارية، تعمل جميعها كحواجز قانونية تمنع الإدارة النرجسية من استغلال سلطتها أو الانحراف عن مسار القانون، فتشكل شركات المساهمة مثالاً حياً على كيفية تحويل القانون وأطر الحوكمة إلى أدوات فعّالة لضبط السلوك الإداري وصون العدالة المؤسسية، وتعزيز الاستقرار الاقتصادي على المدى الطويل، بما يتوافق مع أحكام قانون الشركات الاتحادي رقم (32) لسنة 2021 واللوائح التنفيذية ذات الصلة في دولة الإمارات ولا يقتصر أثر هذه البنية القانونية على حماية حقوق المساهمين والعاملين فحسب، بل يضمن أيضاً استمرار الشركة في تحقيق أهدافها الاقتصادية بكفاءة وموضوعية.ختاماً، تمثل النرجسية الإدارية تحدياً حقيقياً أمام العدالة وسيادة القانون، لكنها ليست عصية على المواجهة.
* المستشار القانوني «تاج مستشارون قانونيون»

7 سبتمبر 2025
قانون الشركات العائلية.. ضمان استمرارية الأعمال وتعزيز الحوكمة

محمد أبو شعبان*

تعد الشركات العائلية في دولة الإمارات العربية المتحدة أحد الأعمدة الرئيسية للاقتصاد الوطني، فهي تمثل نسبة كبيرة من الشركات الخاصة وتلعب دوراً محورياً في دعم التنمية الاقتصادية، وخلق فرص العمل، والمساهمة في استدامة النشاط التجاري عبر الأجيال. غير أن هذا النوع من الشركات، على الرغم من قوته الاقتصادية، فإنه كان يواجه على مرّ السنين تحديات قانونية وتنظيمية تتعلق بانتقال الملكية، وإدارة الخلافات بين أفراد العائلة، وحماية رأس المال من التفتيت عند الميراث، وضمان استمرارية الأعمال في مواجهة التغيرات الاقتصادية والاجتماعية. تدارك المشرع الإماراتي هذه التحديات بأن أصدر المرسوم بقانون اتحادي رقم 37 لسنة 2022 بشأن الشركات العائلية، والذي دخل حيز التنفيذ في 10 يناير 2023، ليشكل نقطة تحول حقيقية في المشهد القانوني الإماراتي بشكل متفرد لهذه الكيانات الاقتصادية.
هذا وضع إطاراً تشريعياً متكاملاً للشركات العائلية، وأعطاها تعريفاً واضحاً، ونظم آليات تسجيلها في سجل خاص لدى وزارة الاقتصاد، إذ يعد التسجيل شرطاً أساسياً للاستفادة من الحماية والمزايا المقررة، حيث يحصل الملاك والمؤسسون على وثيقة رسمية تثبت صفة «الشركة العائلية»، وتضمن لهم حقوقاً إضافية في ما يتعلق بتنظيم الملكية وانتقال الحصص.
ويُستثنى من نطاق هذا القانون شركات المساهمة العامة وشركات التضامن، في حين يمكن لبقية الأشكال القانونية للشركات أن تندرج ضمنه متى توافرت شروط التملك العائلي بأغلبية الحصص.
كما أن أحد الجوانب المهمة في هذا القانون هو تنظيم مسألة الميراث والإفلاس، إذ يسمح بوضع قيود تحمي الحصص من الخروج خارج العائلة بشكل عشوائي، وهذا أمر بالغ الأهمية، كما في حالة إفلاس أحد الشركاء، أعطى القانون الحق لبقية أفراد العائلة في شراء حصته أولاً وفق ما تقرره المحكمة، وهو ما يحافظ على وحدة رأس المال، ويمنع دخول شركاء غرباء قد يربكون التوازن الداخلي.
القانون كذلك أقر لأول مرة بجدوى «ميثاق العائلة» أو ما يُعرف بFamily Charter، وهو اتفاق داخلي تضعه العائلة لتحديد قواعد الإدارة، وآليات انتقال القيادة بين الأجيال، وضوابط حل النزاعات. هذا الاعتراف يُعطي قوة قانونية لوثيقة كانت تُعتبر في السابق مجرد ترتيبات غير ملزمة، ليحولها اليوم إلى أداة فاعلة لحوكمة الشركات العائلية.
ولأن النزاعات تظل جزءاً من الواقع، فقد أنشأ المشرع لجاناً متخصصة في كل إمارة تحت مسمى «لجان تسوية نزاعات الشركات العائلية»، يرأسها قضاة ويُعاونهم خبراء، للفصل في الخلافات بطريقة أسرع وأقل كلفة من المحاكم التقليدية، مع الحفاظ على خصوصية العائلة وسرية أعمالها. أما في المناطق الحرة المالية، فالقانون احترم استقلالية أنظمتها، لكنه ترك الباب مفتوحاً أمام الشركات الراغبة في الجمع بين مزايا القوانين المحلية والإطار الاتحادي الجديد.
وفي سبيل التطور الدائم لدولة الإمارات ودعمها اللامتناهي للأعمال، قامت وزارة الاقتصاد في ديسمبر 2023 بتدشين السجل الموحد للشركات العائلية، ومنذ مايو 2024 بدأت باستقبال الطلبات، ليتم في مايو 2025 الإعلان عن تسجيل أول مجموعة من الشركات الوطنية الكبرى، هذه الخطوة عكست ثقة القطاع الخاص بجدوى القانون، ورسّخت مكانة الإمارات كوجهة عالمية رائدة في تشجيع استمرارية الأعمال العائلية.
القيمة الجوهرية لهذا القانون تتجاوز كونه مجرد نص تشريعي لحل مسألة قانونية، فهو يضع حلولاً عملية لمعضلة يعيشها أصحاب الشركات العائلية في الحفاظ على إرث العائلة التجاري من التفكك، وضمان استمرار نشاطها عبر الأجيال، وفي الوقت نفسه تمكينهم من اغتنام فرص جديدة للنمو والاستثمار ودعم هذه الأعمال، بذلك لا يكتفي القانون بحماية مصالح العائلة فحسب، بل يسهم في تعزيز استقرار واستدامة الاقتصاد الوطني، ويضمن أن تظل الشركات العائلية شريكاً محورياً وموثوقاً في تحقيق رؤية «نحن الإمارات 2031».
وبذلك، لم تعد الشركات العائلية في الإمارات مجرد نشاط تجاري موروث، بل أصبحت مؤسسة قانونية متكاملة، تستمد قوتها من العائلة ومن القانون معاً، وتحمل رسالة مفادها بأن إرث الماضي يمكن أن يكون هو نفسه جسر المستقبل.
* مستشار قانوني
[email protected]

9 يونيو 2020
لتكن التسويات الودية البديل الأمثل في ظل «كورونا» (2-2)
محمد أبو شعبان *

السؤال المطروح، كيف يمكن تحقيق تسويات ودية للنزاعات، وأن يتم جمع أطراف على طاولة التفاوض بشكل مباشر وجهاً لوجه وإقناعهم بأنها البديل الأمثل لفض المنازعات التجارية التي نشبت نتيجة الفيروس؟ للإجابة على هذا السؤال، فلابد من استعراض الفوائد التي ستُجنى من التسويات الودية وهي كثيرة وقد تكون معروفة لدى الغالب، وهي توفير الوقت والسرعة بالبت في الخلافات، وهذا الأمر في غاية الأهمية خصوصاً لكل من يمارس الأعمال التجارية، لأنها تسرع في تعافي الأعمال وتخفيف الأضرار والمضي قدماً للبدء من جديد، وهذا من شأنه أن يخفف من الأعباء الاقتصادية ودفع عجلة النمو. بالإضافة لذلك، سيعمل على توفير التكلفة المادية لعدم الحاجة لدفع رسوم المحاكم ورسوم تعيين الخبراء، وهذا من شأنه تخفيف الضغط على كاهل المحاكم والتي ستشهد بعد انتهاء جائحة «كورونا» كمية هائلة من الدعاوى.

أما الفوائد الإضافية والمهمة لحل النزاعات ودياً والتي يغفل عنها معظم الناس، حيث إن الأصل في التسويات الودية خارج المحاكم هو الحفاظ على ودية واستمرار العلاقة بين الناس اجتماعياً وتجارياً. حتى ولو اضطر أحد الأطراف لدفع تسوية أكثر أو قبول ما هو أقل مما كان متوقع مسبقاً، إلا أنه سيتم جني مكاسب نفسية وتجارية على المدى المتوسط والبعيد. أيضاً، أن فض النزاعات بشكل ودي سيضمن سرية المعلومات الخاصة بالأطراف وحفظ خصوصيتهم بشكل كامل حيث إن التقاضي بشكل عام هو علني ويتم نشر أحكام المحاكم. كما أن التسويات الودية هي أكثر مرونة لاحتضان احتياجات الأطراف للتوصل لحل يخدم الطرفين.

وفي هذا السياق فلا بد من أن نشير إلى أن تحقيق مثل هذه التسويات الودية وجني فوائدها، من تضافر الجهود وتوحيد الرغبات لعمل ذلك، ولا بد أن يشعر الطرف خصوصاً الأفراد والشركات الصغيرة والمتوسطة أن الشركات الكبيرة العملاقة التي تعاقدوا معها سواء كانت شركات عقارية أو بنوك أو تأمين، أن تشعر أن الطرف القوي بالمعادلة التعاقدية هو متفهم للظروف وليّن في التفاوض مع الطرف الأضعف، وهو سيأخذ بيد الطرف الأضعف لإيصاله إلى بر الأمان، وإذا لم تقم هذه الشركات الكبيرة باستيعاب احتياجات الأفراد أو الشركات الصغيرة والمتوسطة والتواصل معها لتسوية ودية، فإن ذلك سيؤدي إلى خلق نوع من عدم الثقة بالتسويات الودية، وبالتالي سيضطر الأفراد أو مُلاك هذه الشركات الصغيرة والمتوسطة، إما إلى مواجهة الإفلاس أو الهروب باعتبار أن هذا الحل هو أنسب له لتفادي أي عواقب قانونية نتيجة عدم إمكانية الوفاء بالالتزامات التعاقدية، أو حتى عجزه عن المواجهة القضائية لأن ذلك سيكون مكلفاً للغاية.

وفي النهاية، وفي ظل هذه الظروف المحيطة بنا، فإننا اليوم بحاجة ماسة إلى نشر ثقافة تسوية المنازعات ودياً وتعميم فضائلها وإيجابياتها وتعريف الناس بها، وكذلك تشجيع اللجوء إليها بما يخفف أعباء الأجهزة القضائية وتوفير للمال العام، إن فيروس «كورونا» يمثل لنا فرصة لخلق وابتكار حلول جديدة أو حتى تطبيق بدائل كانت أصلاً موجودة لحل النزاعات التجارية بشكل غير تقليدي، وزرع الإرادة التي يمكن من خلالها تجاوز هذه الخلافات التجارية بأقصر فترة ممكنة وبأقل الخسائر. وبلاشك فنحن نرى هنا أن التسويات الودية هي البديل الأمثل في ظل «كورونا» وما بعدها وعلى الأخص فيما يتعلق بالمنازعات غير المعقدة، بدلاً عن الأسلوب التقليدي ألا وهو اللجوء إلى المحاكم لفض النزاعات التجارية، لما لها من فوائد ومميزات يجعلها الوسيلة الأفضل في ظل «كورونا» وما بعدها.

* مستشار قانوني