عندما نتأمل في منظومة الثقافة والمجتمع والتاريخ في العالم العربي، سنعثر في كل زاوية ومفصل على هبة التعدد. لنأخذ مثلاً اللغة العربية التي تحتوي على مفردات واشتقاقات وأساليب بلاغية ليست موجودة في أية لغة أخرى، وهي ظاهرة واضحة وتعتبر خصيصة أولى للعربية، والأمر لا يقتصر على الفصحى وحسب، ولكن هناك تنوع العاميات واللهجات، فضلاً عن تاريخ طويل تفاعلت فيه العربية مع أحداث عصرها وأثّرت في لغات أخرى وتأثرت بها، وسيكون من قبيل التكرار تأكيد أن اللغة ليست وسيلة تواصل بين الناطقين بها، ولكنها أكبر من ذلك أيضاً، هي أداة تفكير وإبداع، وتشكيل وجهات نظر ورؤى للذات والعالم المحيط.
التعدد الآخر نعثر عليه في الدين، فكتابنا الكريم ظل يُقرأ ويُفسر وفق مختلف الأدوات والمناهج على مدار ألف وأربعمئة عام، ومع كل قراءة جديدة هناك ما يواكب العصر وما يبرز تعدد وجهات النظر، إضافة إلى قوة المعاني القابلة لكي نولد منها الجديد والمبهر مع كل تفسير.
ولم يعرف دين آخر بخلاف الإسلام تلك المدونة القانونية المرتبطة بأدق تفاصيل الحياة، هذا ما حدث مع الفقه الإسلامي، في بعديه الرأسي والأفقي. يتمثل البعد الرأسي في استجابة هذه المدونة القانونية لمتغيرات كل عصر وقدرتها على استيعاب مفردات كل ثقافة مختلفة دخل أتباعها في الإسلام. أما البعد الأفقي فتمثل في المذاهب وتنوعها، حتى قيل إن الاختلاف رحمة.
إذا ذهبنا إلى المجتمع العربي وتشكله التاريخي، فلن نعثر على منطقة في العالم تشمل مثل هذا الموزاييك الحضاري المدهش، فالأقليات التي تعيش على هذه الأرض ضاربة الجذور هنا، وليست طارئة بفعل التحديث والحداثة كما شهدنا في الغرب، ففي العالم العربي، لم يكن هناك إقصاءً لأحد في يوم من الأيام، بسبب لونه أو دينه أو عرقه، صحيح كانت هناك خلافات ومشاحنات لكنها كانت حوادث فردية ولأسباب خاصة، لم تكن ممنهجة أو مستمرة أو تشكل الروح العامة، كما حدث في أوروبا عندما سادتها قرون من الحروب الدينية ومحاكم التفتيش وطرد جماعات بأكملها، وإبادة جماعات أخرى بفعل متوالية الاكتشاف والاستيطان والاستعمار، ولن تجد منطقة في العالم حكمها المماليك كما حدث لمساحات واسعة في العالم العربي لعدة قرون.
كان التعدد دائماً هبة هذه المنطقة، هكذا يقول التاريخ، واليوم تظهر في الواجهة رؤى ترفض التعدد وتدّعي امتلاك الحقيقة المطلقة وتتشنج أمام الآخر، وربما تهدد بالعنف في سبيل فرض رأيها. كان التعدد هو ابن اللغة والدين وتنوع العرقيات في العواصم العربية التي كانت في أزمنة سابقة أماكن كوزموبوليتانية تكثر فيها الجنسيات وتنتشر فيها الأسواق ، وتشكل نهاية لالتقاء طرق تجارية تحمل الأفكار والسلع معاً.
كان التعدد اختراعنا في الشرق، وذلك برغم رؤى استشراقية حاولت قراءة تاريخنا من وجهة نظر ذات أغراض معينة، أو جماعات متشددة لا ترى أبعد من ، ولم تدرس تاريخها أو تفهم واقعها، وعلينا فهم أبعاد الرؤيتين معاً، لكي نواجههما، ونستعيد هبة التعدد بوجوهه المشرقة.
