الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

قوة المنطق ومنطق القوة

15 سبتمبر 2026 00:29 صباحًا | آخر تحديث: 15 سبتمبر 00:29 2026
دقائق القراءة - 3
شارك
share
نعرّف منطق القوة مجرداً من قوة المنطق بأنه سلطة تعسفية تفرض ما تريد. والقوة، بهذا المعنى سلطة، إذ لا تتحقق إلا في علاقة بين طرفين: صاحب السلطة، والمتسلَّط عليه، سواء اعترف هذا الأخير بشرعية السلطة أم لم يعترف. ومن هنا تتعدد السُّلط بتعدد أشكال القوة التي يمتلكها الإنسان أو الجماعة أو الدولة.
غير أن القوة لا تعمل دائماً بالطريقة نفسها. فحين تنتظم العلاقات بين أفراد المجتمع وفق قاعدة مشتركة للحق والقانون، تتولى قوة المنطق تنظيم هذه العلاقات، بحيث يصبح القانون تعبيراً عن حق عام يتساوى أمامه الجميع. وهنا لا تعود القوة مجرد قدرة على الفرض، بل تصبح وسيلة لإقامة نظام مشترك يحدّ من إرادة الأفراد الخاصة، وهنا تتحد سلطة قوة المنطق وسلطة منطق القوة.
فإذا كان الحكم أن الملكية حق مقدس، وكنت أمتلك قطعة أرض، فإن النتيجة المنطقية هي أن تكون هذه الأرض حقاً مقدساً لي، لا يجوز الاعتداء عليه أو سلبه. هنا تتطابق قوة المنطق مع قوة الحق، لأن القانون لا يكتفي بتقرير الحق، بل يوفر له الحماية، وينقل الاعتراف به من مستوى المبدأ إلى مستوى الواقع.
لكن هذا التطابق يظل مشروطاً بوجود قوة قادرة على إنفاذ القانون. فإذا ظهرت داخل المجتمع قوة غاشمة تستطيع خرق القانون وانتهاك الحقوق، فإنها لا تعتدي على فرد أو ملكية فحسب، بل تهدم النظام القائم على الحق والقانون، وتطيح بالأساس الذي تقوم عليه قوة المنطق، فتسود مظاهر العدوان. وبذلك ينفصل الحق عن القوة التي تحميه، ويتحول القانون إلى نص عاجز أمام إرادة لا تعترف به.
لهذا لا تستطيع أن تواجه قوة عمياء غاشمة بقوة المنطق وحدها، ولا بقوة ناعمة لا تملك وسائل الردع. وليس في مقدورك أن تواجه منطق القوة إلا بقوة مكافئة ومبدعة، قادرة على حماية الحق ومنع تحويله إلى مجرد فكرة عاجزة.
والتاريخ يؤكد أن منطق القوة هو الذي تحكم في مساره، وما زال يتحكم فيه: من القوة العسكرية إلى القوة الاقتصادية، ومن القوة العلمية والمعرفية إلى القوة النخبوية والجغرافية. أما القوة المنطقية والقوة الأخلاقية، فلم تكونا، في الغالب، العامل الحاسم في صناعة التاريخ، إلا حين امتلكتا من الوسائل ما يحولهما إلى قوة فاعلة. فالتاريخ لا يكافئ الحق لمجرد كونه حقاً، بل يسأل دائماً عن القوة القادرة على حمايته وفرض الاعتراف به.
ومن هنا نفهم وظيفة الدولة. فسلطة الدولة هي منطق القوة الذي يدافع عن منطق الحق داخل المجتمع. إنها التي تحول، بما تمتلكه من قوانين وشرطة ومحاكم وعقوبات، دون اعتداء الناس على حقوق بعضهم بعضاً. وبذلك لا تكون الدولة نقيضاً للحق، من حيث المبدأ، بل أداته الواقعية التي تمنع القوة الخاصة من تحويل المجتمع إلى ساحة صراع دائم. فالدولة تنزع القوة من أيدي الأفراد والجماعات، وتحتكر استخدامها باسم قانون عام، لكي تجعلها في خدمة الحق لا في خدمة الإرادة الخاصة.
وعلى المستوى الخارجي، تعني سيادة الدولة على الوطن امتلاكها من القوة العسكرية والاقتصادية والثقافية ما يمكّنها من حماية نفسها من الاعتداء الخارجي وحماية مواطني الدولة. فالدولة التي لا تملك قوة تحمي سيادتها تظل سيادتها ناقصة أو مهددة.
ومن هنا تبدو مظاهر شريعة الغاب حاضرة، على نحو أو آخر، في العلاقات الإنسانية، وبخاصة في المناطق التي تشهد صراعات داخلية مسلحة على امتلاك السلطة والثروة. ففي هذه الحالات تتراجع الدولة بوصفها قوة قانونية عامة، وتحل محلها قوى متنافسة تستخدم السلاح لفرض إرادتها.
وتستند هذه الصراعات، غالباً، إلى تبريرات أيديولوجية زائفة تمنح العنف مظهراً مشروعاً، لكنها تظل في جوهرها صراعات على السلطة والثروة. وهي صراعات قاتلة، لا تكتفي بتدمير المؤسسات والبيوت، بل تحمل كثيراً من البشر على الهجرة بحثاً عن مكان يوفر لهم الأمان. وهنا لا يكون اللجوء نتيجة جانبية للحرب فحسب، بل يصبح دليلاً على انهيار الوظيفة الأساسية للدولة: حماية الإنسان داخل فضاء قانوني يضمن له الحق في الحياة والأمان.
أما إذا استمر الشعور باللجوء جيلاً بعد جيل خارج حدود المواطنة وحقوقها، فإن المأساة لا تكمن في فقدان الوطن وحده، بل في فقدان الاعتراف أيضاً. فالمواطنة ليست إقامةً قانونية فحسب، بل اعتراف بالإنسان بوصفه عضواً كاملاً في المجتمع والدولة، له فيها حقوق وعليه واجبات، وصوت لا يُعامل كصوت مؤقت أو زائد.
وحين يُحرم اللاجئ من هذا الاعتراف، يبقى معلقاً بين وطن فقده ووطن لا يمنحه وجوداً كاملاً، يحمل ذاكرة الاقتلاع في جسده، ويعيش حاضراً لا يعترف به إلا بقدر ما يحتاج إليه. عندئذ لا يعود اللجوء حالة عابرة، بل يتحول إلى وجود موروث، ينتقل من الآباء إلى الأبناء، ويصبح غياب المواطنة شكلاً مستمراً من أشكال نفي الإنسان.
[email protected]

logo اقرأ المزيد

الأكثر قراءة