الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

دفاعاً عن السؤال

1 سبتمبر 2026 00:41 صباحًا | آخر تحديث: 1 سبتمبر 00:42 2026
دقائق القراءة - 3
شارك
share
ما السؤال؟ يُعرَف السؤال، في بادئ الأمر، من أسماء أدواته: إنها أدوات الاستفهام. والاستفهام طلب الفهم، فالألف والسين، حين تدخلان على الفعل أو المصدر، تفيدان معنى الطلب. ومن هنا يكون السؤال، في أصله، طلب فهم أمرٍ غير مفهوم.
غير أن صيغة السؤال، بوصفها شرطاً ضرورياً لوجود السؤال، ليست شرطاً كافياً له. ذلك أن من شروط السؤال الحقيقي أن ينطوي على إمكانية جواب واقعي، بصرف النظر عن كون الجواب صحيحاً أو خاطئاً. فالسؤال: ما تركيب الماء؟ سؤالٌ ينطوي على إمكانية جواب واقعي، لأن الماء واقعة مادية. فإذا جاء الجواب صحيحاً: تركيب الماء هو H2O، أو جاء خاطئاً، كأن نقول إن تركيبه F5، فإن السؤال يبقى صحيحاً من حيث كونه ينطوي على إمكانية جواب واقعي. فإمكانية الجواب الواقعي لا تعني بالضرورة صحة الجواب.
ولهذا يختلف السؤال الحقيقي عن السؤال الزائف اختلافاً كلياً. فالسؤال الزائف لا ينطوي على إمكانية جواب واقعي أصلاً. فلو سأل سائل: متى يتكلم الحجر؟ فنحن هنا أمام صيغة سؤال، ولكننا لسنا أمام سؤال حقيقي، لأن الحجر لن يتكلم، وبالتالي لا ينطوي السؤال على إمكانية جواب واقعي.
وقد يقول قائل: إن قولنا «الحجر لن يتكلم» هو جواب واقعي عن سؤال زائف. غير أن الجواب هنا ليس جواباً عن السؤال بقدر ما هو رفضٌ للسؤال نفسه، والصيغة المضمرة فيه هي: سؤالك خاطئ، لأن الحجر لا يتكلم البتة.
وإذا نظرنا إلى العلاقة بين السؤال وأدواته وموضوعه، أدركنا العلاقة المنطقية بين السؤال والمعرفة. فالهمزة، مثلاً، قد تكون سؤال دهشة، كما في قولنا: أأنتَ أنت؟ أما «هل» فهي أداة تصديق، تستدعي جواباً بنعم أو لا، كما في السؤال: هل تخلّفنا عن ماضينا؟
أما السؤال بأداة «ما» فهو من أهم أدوات السؤال الفلسفي، لأن كل سؤال عن الماهية إنما يُطرح بهذه الأداة: ما الوجود؟ ما الحقيقة؟ ما الحرية؟ ما الإنسان؟ ما الدولة؟ وهكذا.
وللمؤرخ أدواته أيضاً، فسؤاله غالباً ما يكون ب«كيف» و«لمَ»، وقد يتصل ب«متى» و«أين» و«من»، لأن التاريخ لا يكتفي بالسؤال عن الواقعة، بل يسأل عن شروط حدوثها، وأسبابها، ومسارها، ونتائجها.
تبدأ مشكلة السؤال حين ينطلق السائل من معرفة خاطئة يعتقد أنها صحيحة، ثم يبني عليها سؤاله. فإذا كان السائل والمسؤول كلاهما يعتقدان بهذه المعرفة الخاطئة، أو الوهمية، نشأ عندئذ خطاب منافٍ للواقع والمعقول معاً.
فلو سأل سائل مثلاً: كيف يمكن طرد الأرواح الشريرة التي تعبث بالبيت ليلاً؟ وكان المجيب مشعوذاً يعتقد بما يعتقد به السائل، فإننا نكون أمام سؤال زائف وجواب زائف في آنٍ واحد. بل إننا نكون أمام ظاهرة مَرضية، لا أمام ممارسة معرفية.
بل إن أخطر ما يواجه السؤال الحقيقي في عصرنا هو الإجابات القارّة في الثقافة الماضية، وهي الظاهرة التي يمكن أن نسميها ثقافة الأجوبة الجاهزة. فأسئلة العلم، مثلاً، لا يمكن الإجابة عنها بأجوبة ما قبل علمية، وأسئلة المجتمع الحديث لا يمكن أن تُجاب بأدوات مجتمعٍ لم يعد قائماً إلا في الذاكرة أو الوهم.
أما انتقال السؤال الحقيقي إلى السؤال-المشكلة، فيحدث حين يكون السؤال منطوياً على إمكان أجوبة متعددة، وخاصة في القضايا المتعلقة بالمجتمع والأخلاق والسياسة والإنسان.
هب أن هناك مجتمعاً كثير السكان، ونسبة الفقر فيه عالية، ثم سألنا: كيف يمكن تجاوز الفقر؟ إن الجواب عن هذا السؤال لا يكون جواباً واحداً، بل يتشعب إلى جواب سياسي، وجواب اقتصادي، وجواب علمي وتعليمي، وجواب تنظيمي وإداري. ولهذا فإن سؤال الفقر يقودنا إلى مشكلة الفقر.
فكل أسئلة القضايا المعقدة التي لا يمكن الإجابة عنها بإجابة واحدة هي أسئلة-مشكلات. وعندما طُرح سؤال: ما الثقافة؟ حصلنا على أكثر من مئة تعريف لها، وآية ذلك أن الثقافة ذات وجوه متعددة: رمزية، واجتماعية، وتاريخية، ونفسية، وأنثروبولوجية. وقِس على ذلك سؤال: ما السياسة؟ وما الحرية؟ وما العدالة؟ وما الدولة؟ وما الإنسان؟ فهذه كلها أسئلة لا تستنفدها إجابة واحدة، ولا يحيط بها تعريف واحد.
وتلك سمة أساسية من سمات أسئلة العلوم الإنسانية جميعها. فموضوعها الإنسان، والإنسان ليس شيئاً بسيطاً، ولا واقعة جامدة، بل كائن تاريخي، اجتماعي، لغوي، رمزي، نفسي، وسياسي في آنٍ واحد.
ولهذا فإن استسهال الإجابة عن السؤال-المشكلة بإجابة واحدة لا يفقِر فهمنا فحسب، بل يعوق أيضاً إمكان المعرفة الموضوعية بكل الأسئلة المتعلقة بالإنسان في تعيناته الاجتماعية والثقافية والنفسية والسياسية.
إن الدفاع عن السؤال، في نهاية الأمر، هو دفاع عن العقل في مواجهة الوهم، وعن المعرفة في مواجهة الجواب الجاهز، وعن الحقيقة في مواجهة البلاغة الفارغة. فالسؤال ليس مجرد علامة استفهام في آخر الجملة، بل هو بداية الوعي حين يرفض أن ينام على وسادة اليقين الزائف.
[email protected]

logo اقرأ المزيد

الأكثر قراءة