كان الأوّلون من العرب في بعض لهجاتهم، يستعملون (الهاء) في محل (أل) التعريف، مثل القول: (شيّدتُ هبنيان) أي شيدتُ هذا البنيان، وكانت كلمة (أدب) ليست موجودة في الجاهلية بوصفها المصطلحي المتداول الآن، أما شعر الجاهلية الذي نعرفه وندرسه الآن في الجامعات، فهو ذلك الشعر الذي وقعنا عليه فقط في فترة ال150 عاماً، قبل الإسلام، وأيّام العرب سُمّيت هكذا، لأنهم كانوا يتقاتلون نهاراً، فإذا أقبل الليل، أوقفوا القتال.
أُعيد هذه الأيام قراءة شوقي ضيف (1910-2005)، في مناسبة مرور 55 عاماً على صدور موسوعته الرباعية العظيمة: «العصر الجاهلي»، و«العصر الإسلامي»، و«العصر العباسي الأول»، و«العصر العباسي الثاني»، وكانت صدرت طبعتها الأولى في عام 1960، عن دار المعارف في القاهرة، والمعلومات السريعة التي قرأتها الآن في رأس هذه المقالة وردت في كتاب «العصر الجاهلي»، أي أن شوقي ضيف وضع أجزاءه الأربعة تلك وهو بين الأربعين والخمسين من عمره.
مزج شوقي ضيف في رباعيته التي تؤرّخ للأدب العربي بين التاريخ السياسي في الجاهلية وفي الجزيرة العربية، والتاريخ الثقافي واللغوي للهجات ولغات العرب الأوائل، بأسلوب يجعلك تركض في القراءة، لا هو بالأسلوب الأكاديمي الجاف (المتعجرف أحياناً) ولا هو بالأسلوب الثقيل على الهضم المعرفي، ولذلك، يقرأ هذا الرجل المعرفي الرائع إلى اليوم بدرجات أكثر تفوّقاً على معاصرين كثر من بعض أساتذة الجامعات الذين يلهث منهم (وهم قليل) وراء بحث هنا أو كتاب هناك من أجل درجة جامعية ترفع من شأنه الأكاديمي.
هذا واقع جامعي أكاديمي موجود في بعض (وأقول بعض) المؤسسات التعليمية الرفيعة، ولا يمكن أن يشبه ظاهرة شوقي ضيف بأي شكل من الأشكال.
لا أريد أن أكتب عن واحد من أعلام مجمع اللغة العربية في القاهرة من باب المقارنات الأكاديمية، لكن الواقع يفرض نفسه، بل، المهم في استعادة شوقي ضيف هو إعادة طبع موسوعته الرباعية التي تؤرّخ للأدب العربي بعد مرور أكثر من نصف قرن على صدورها في القاهرة، قاهرة الستينات والسبعينات حيث جواهر الأدب والفنون والنقد والفكر، التي من الصعب استنساخها أو تقليدها أو محاكاتها، وذلك ليس لصعوبتها أو أنها معقّدة أو أسطورة، بل لأنها من نوع السهل الممتنع، البسيط العميق، الذاتي الفردي والعالمي الكلّي، وفوق كل ذلك، الخلق الأدبي والإحساس البطولي بالمسؤولية الثقافية التي هي انتماء، وموقف، ومبدأ.
ترى، متى نرى طبعة جديدة، أنيقة، محترمة، لتاريخ الأدب العربي تليق باسم شوقي ضيف؟
