الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

الإمارات والسعودية.. والدبلوماسية البصرية

30 يوليو 2026 00:08 صباحًا | آخر تحديث: 30 يوليو 00:08 2026
دقائق القراءة - 3
شارك
share
في العلاقات الدولية، لا تُستخدم الصور لتوثيق الأحداث فحسب، بل لتشكيلها. فكما تنتج البيانات الرسمية مواقف سياسية، تنتج الصورة إدراكاً سياسياً، ليس أقل تأثيراً من الوقائع ذاتها. ويتحدث الباحثون حالياً، عن الدبلوماسية البصرية، لكونها إحدى أهم أدوات الاتصال الاستراتيجي، حيث تتحول الصورة إلى رسالة، وإلى فعل سياسي، بل وإلى أداة لإدارة الإدراك، وإعادة توجيه السرديات.
وهكذا، لا يمكن النظر إلى الصورة التي جمعت نائب رئيس دولة الإمارات، سمو الشيخ منصور بن زايد آل نهيان، ووزير الدفاع السعودي الأمير خالد بن سلمان هذا الشهر، باعتبارها مشهداً بروتوكولياً، أو لقاء اجتماعياً عابراً. فالصورة جاءت في لحظة إقليمية شديدة التعقيد، اتسمت بتكاثر السرديات التي روّجت لاتساع الفجوة بين الرياض وأبوظبي في ملفات اليمن، والطاقة، وإيران. وفي مثل هذه اللحظات، تصبح الصورة جزءاً من السياسة نفسها، لا مجرد انعكاس لها. ولذلك، فإن السؤال الحقيقي ليس: من ظهر في الصورة؟ وإنما: لماذا ظهرت هذه الصورة الآن؟
والواقع أن هذه اللقطة جاءت في ذروة تضخم رواية إعلامية حاولت تصوير التباينات بين البلدين باعتبارها تحولاً بنيوياً في العلاقة، بينما بدت الصورة وكأنها تدخل مباشر لإعادة ضبط هذا الإدراك، عبر رسالة بصرية مفادها أن الاختلافات التكتيكية لا تنال من صلابة التحالف الاستراتيجي. ومن هنا، اكتسب تعليق المستشار تركي آل الشيخ، الذي وصف العلاقة السعودية الإماراتية بأنها «قصة علاقات أخوية وشراكة راسخة»، بعداً يتجاوز التعليق الإعلامي، إذ جاء بمثابة مفتاح تأويلي للصورة، يحدّد الرسالة التي أريد لها أن تصل إلى الداخل الخليجي، وإلى الإقليم، معاً.
غير أن القراءة الأكثر عمقاً للصورة تكشف أنها لا تنفي وجود تباينات بين الرياض وأبوظبي، بل تعيد تعريف طبيعتها. فقد تختلف الدول في الأدوات، بينما تبقى متفقة على المقصد. وهذا هو جوهر العلاقة السعودية-الإماراتية اليوم. فالبلدان يتقاسمان رؤية استراتيجية واحدة تقوم على حماية أمن الخليج واستقراره، ومنع تحول الإقليم إلى مجال نفوذ إيراني، وصون حرية الملاحة. إلا أن لكل منهما مقاربته الخاصة في إدارة هذه الغايات، إذ تميل الرياض إلى الجمع بين الردع والدبلوماسية وإعادة هندسة التوازنات الإقليمية، بينما تتبنى أبوظبي سياسة تقوم على تنويع الشراكات، وتعزيز الردع متعدّد المجالات، وربط الأمن بالمرونة الاقتصادية والتكنولوجية. وليس في ذلك تناقض، بل تعدد في الأدوات داخل إطار استراتيجي واحد.
ولعل هذا ما يجعل استدعاء المقولة المنسوبة إلى الرئيس الأمريكي دوايت أيزنهاور خلال أزمة السويس، أكثر من مجرّد استعارة تاريخية، مخاطباً بريطانيا: «نحن نركل الكرة في نفس الاتجاه، لكن بأساليب مختلفة». فقد كان أيزنهاور يوضح أن الولايات المتحدة تشارك بريطانيا الهدف النهائي المتمثل في حماية المصالح الغربية، لكنها ترفض استخدام الوسائل الاستعمارية التي رأت أنها تضر بهذه المصالح على المدى البعيد. فجوهر الفكرة أن الحلفاء قد يتحركون نحو الغاية نفسها، لكن بوسائل مختلفة. وتتجاوز دلالة الصورة حدود العلاقة الثنائية، فهي تحمل في الوقت ذاته رسالة موجهة إلى البيئة الإقليمية. فإظهار التماسك بين الحلفاء لا يقل أهمية عن امتلاك القدرات العسكرية، لأن الردع يبدأ من الإدراك قبل أن يبدأ من القوة. وكلما ازداد اعتقاد الخصوم بوجود تصدع داخل التحالفات، ارتفعت احتمالات اختبارها، أو محاولة استغلالها. ومن ثم، فإن الصورة ليست مجرد تواصل سياسي، بل تمثل أحد أشكال الإشارة الاستراتيجية التي تستهدف تقليل احتمالات سوء التقدير لدى الخصوم، والحفاظ على مصداقية الشراكة أمام الحلفاء.
كما أنها تبعث برسالة إلى الداخل الخليجي، مفادها أن نضج العلاقات بين الدول لا يقاس بغياب الخلاف، وإنما بقدرتها على احتوائه داخل إطار المصالح المشتركة. فالدول الصاعدة لا تُدار بمنطق التطابق، بل بمنطق التوافق على القضايا الكبرى، مع الإقرار بشرعية التباين في الملفات التكتيكية. ومن هنا، تبدو العلاقة السعودية الإماراتية أقرب إلى نموذج الاستقلال التعاوني، حيث تتسع مساحة القرار الوطني لكل طرف، من دون أن يؤدي ذلك إلى تفكيك البنية الاستراتيجية التي تجمعهما.
أما الرسالة الأخيرة، فهي موجهة إلى كل من بنى رهانه على تفكك المحور السعودي-الإماراتي. فالصورة تعيد التذكير بحقيقة كثيراً ما تغيب عن التحليلات اليومية، وهي أن التحالفات لا تُقاس بخلافاتها العابرة، بل بطبيعة التهديدات التي تواجهها. وكلما كان التهديد بنيوياً ومشتركاً، ازدادت قدرة التحالف على امتصاص التباينات التكتيكية. وفي البيئة الخليجية الراهنة، لا تزال التحديات المرتبطة بأمن الطاقة، وحرية الملاحة، والتهديدات الإيرانية، كافية لإبقاء الشراكة بين الرياض وأبوظبي في مرتبة الخيار الاستراتيجي، لا مجرّد الترتيب السياسي المؤقت.
وفي النهاية، لم تكن الصورة حدثاً بصرياً، بقدر ما كانت خطاباً سياسياً مكثفاً. فقد مارست وظيفة لا تستطيعها الكلمات بسهولة، إذ أعادت صياغة السردية السائدة، وأعادت تعريف العلاقة بين السعودية والإمارات، ورسخت معادلة مفادها أن التحالفات الاستراتيجية لا تُقاس بمدى التشابه في كل قرار، بل بقدرتها على الحفاظ على وحدة الاتجاه رغم اختلاف المسارات. وفي زمن أصبحت فيه الصورة جزءاً من هندسة القوة، لم تعد اللقطة مجرد صورة، بل أصبحت سياسة تُقرأ بالعين، قبل أن تُقرأ بالكلمات.
[email protected]

logo اقرأ المزيد

الأكثر قراءة