تدرك إيران أن الأرض العربية التي بنت عليها أحلامها التوسعية، في أكثر من عاصمة عربية، تهتز تحت أقدامها، وأنها ستتحرر لا محالة بالإصرار العربي والإقليمي والدولي على استعادة معنى الدولة الوطنية. لن تخرج المخالب الإيرانية بغير ثمن فادح لاتزال العواصم العربية المستباحة تدفعه من سيادتها ودماء أبنائها، بفعل توحش الطائفية وأذرعها التي تخلت عن ولائها الوطني وامتدت إلى بلدانها بالقتل والتمزيق وإشعال حروب داخلية وخارجية تغنم منها إيران وترسخ تدخلات قوى إقليمية في الخريطة العربية.
وما يجب أن تتنبه له المنطقة والعالم، أنه كلما خسرت إيران موقعاً في يابسة بلد عربي، امتدت عيناها إلى الماء، حيث تريد أن تبني عرشها الجديد الذي لن يكتمل يوماً، فليس بوسع دولة أن تعاقب العالم كله، وأن تقف، في لحظة وهم، في وجه تيار مصالحه التاريخية المستقرة في الممرات البحرية.
ما يجري في مضيق هرمز، وما تريد أن تكرره إيران في باب المندب، رغم أثرهما الاقتصادي على المنطقة والعالم، فيهما لحظة انكشاف مهمة، في قلبها محاولة إيرانية تقترب من الانتحار، لتعويض خسائرها المنتظرة باكتمال خروجها من العواصم العربية، وإن استغرق ذلك وقتاً وتطلَّب مزيداً من الكلفة، بالرهان على هيمنة بحرية تحاول بلوغها بإغراق كل الأطراف في تفاصيل مفاوضات وتفاهمات تغطي بها سيناريو التسلل إلى مفاصل الممرات المائية.
تعلم إيران أن الانتباه الدولي لحجم التخريب الذي فعلته بأيديها وعبر وكلائها في الدول العربية، والتحرك لوقفه ومداواة آثاره، أسقط ما انخدع به عرب كثيرون طويلاً عبر خطاب الثورة أو الصحوة الملغّم بالأدبيات الإسلامية، والدعوة إلى مواجهة «الشيطان الأكبر»، أي الولايات المتحدة، ثم «الشيطان الأصغر» بحسب الوصف الإيراني لإسرائيل.
وبغض النظر عن أن ما فعلته طهران في المنطقة كان الداعي في حالات كثيرة إلى التدخل الأمريكي والإسرائيلي في دول عربية، فإن التصرفات الإيرانية منذ نهاية فبراير/ شباط الماضي بحق الجيران والمنطقة والعالم تفضح أن الشيطان كان أقرب إلينا مما نتصور، وأن هذه التصرفات ليست مجرد أفعال أو ردود أفعال في سياق المواجهة الجارية، بل هي الوجه الحقيقي لمسلك سياسي وفكري شيطاني، تخفّى طويلاً في شعارات جنّدت عرباً تحت راية لا تمثلهم، وعلمتهم فنون الاقتتال وقسمة الوطن وقيم الولاء لغرباء.
يوماً بعد آخر، وبين الصعود والهبوط في منسوب التوتر بالمنطقة، ندرك هذه الخطى المحسوبة بدقة في التصرفات الإيرانية، وهي تنقل شيطان التفاصيل من مربع إلى آخر، فتعطّل الملاحة في مضيق هرمز طلباً لرسوم وهيمنة، ثم تتراجع وتعود إلى مطلبها. تتفاهم، وتوقع، ثم تماطل، وتواصل الاعتداء على دول عربية، وترفض أي مقترح ينهي الأزمة.
تنظر إيران إلى خسارتها في لبنان، ولا تقرأها إلا في سياق مواجهتها مع أمريكا وإسرائيل، وليست بداية تحرر وطن من قبضة الدولتين، وتخشى نجاح سعي العراق نحو استرداد هويته، أو تخليص غزة وصنعاء من سطوة طهران. ومن الطبيعي، بالحسابات المرتبكة والمنقسمة داخلياً، أن تحرك إيران وكلاءها في الاعتداء على مصالح عربية، وتمد خط الأزمة إلى مضيق باب المندب، لتسحب الجميع إلى جبهة جديدة تستنزف الوقت والجهد.
