من مفارقات البشرية أنها تنفق من الجهد والمال والوقت في مواجهة كوارثها، بأنواعها كافة، ما كان كافياً لمنع اشتعالها منذ البداية، أو على الأقل امتلاك القدرة على إبقائها في معدلات لا تفاقم الخسائر.
ورغم ذلك، لا يملك الإنسان من الشجاعة ما يكفي للاعتراف بأخطائه، وبالتالي الحد منها، فتراه يلقي بالتبعات دوماً على غيره، فإما الطرف الآخر من الصراع هو المسؤول، وإما الطبيعة.
لا يريد الإنسان الوقوف أمام خطاياه بحق نفسه والكوكب الذي لا يكف عن الصراخ في وجه من يرمونه بالأذى، سواء بالحرب أو سوء استخدام الموارد والإنفاق منها بإسراف يوحي بأنه لا بشر بعدنا لهم نصيب فيها.
في ظل هذه الغفلة البشرية، من الطبيعي أن يصطلي بنتائج أفعاله التي تتمدد أمام أعيننا في بقاع كثيرة من العالم، إما في هيئة صراعات لا تفلح بقايا الحكمة في تطويقها، وإما في صورة كوارث تتعدد أشكالها، وبعضها أصبح تقليداً موسمياً لا يكفي للاتعاظ والعودة إلى السلوك الإنساني القويم.
من يبسط أمامه خريطة العالم، يعزّ عليه أن يجد موضعاً فيه بلا نزاع، سواء في بلد واحد، أو بينه وبين جار له، أو مع أطراف أخرى بعيدة عنه جغرافياً، لكن الأطماع، على هذا الجانب أو ذاك، تقرّب بين صناع اللقطات الدموية والأزمات التي لم تعد تحرّك في كثيرين ساكناً، بل إنها تزيد تعطش البعض للدم وإخراج الآمنين من ديارهم إلى المجهول.
وتزداد المحنة حين تضاف إلى ذلك أهوال الكوارث المستشرية في أرجاء الكوكب، إما في شكل زلازل تمحو جغرافيا وتاريخاً استقرا طويلاً، غير أنها لا تحرك في هواة الدمار من البشر شيئاً، أو فيضانات، أو براكين، أو نيران تتجدد كل عام تقريباً وتتسع مساحتها وتأثيرها أمام عجز بشري متفاقم عن التعامل معها وكبح خسائرها البشرية والمادية، فلا يجد الإنسان أسهل من اتهام التغير المناخي.
لا خلاف على أن التغير المناخي هو المسؤول الأول عن معظم تلك الكوارث، لكن تسبق ذلك حقيقة أخرى، وهي أن الإنسان من تسبب في ذلك كله، وهو أيضاً من يدفع الثمن، لكنه لا يكف عن الأذى، أذى الطبيعة، وأذى نفسه وغيره.
من الغريب أن يبدو الإنسان مستريحاً بالبقاء طويلاً بين قوسين من نار: نار الحروب، ونار الكوارث، وهو مشعلهما وضحيتهما في الوقت نفسه، كأنه راضٍ بإلقاء نفسه في التهلكة.
وبين النارين، تتبدد صرخات من حذروا منها طويلاً، ولا يزالون يفعلون، لكن من بيده إخمادهما ماضٍ في استنساخ الصراعات ونقلها من موضع لآخر، واستحداث نماذج منها غير متوقعة، ويحشد لها من الأنفس والثمرات بغير حدّ أو عدّ، وما يتبقى تأكله بقية الكوارث، وهي، في أحد أوجهها، حصاد الاحتراب الذي لا يشغل من يملكون قراره إلا بنجاة أنفسهم، فكيف لهم، وهم يلقون الإنسان في النار، أن يتفقوا على حماية الكوكب.
