الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

بعد 36 عاماً من غزو الكويت.. أي مجلس تعاون يحتاج إليه الخليج؟

2 أغسطس 2026 00:04 صباحًا | آخر تحديث: 2 أغسطس 00:04 2026
دقائق القراءة - 3
شارك
share
في الثاني من أغسطس/آب 1990، لم يستيقظ الخليجيون على خبر احتلال الكويت فحسب، بل على حقيقة قاسية، هي أن الجغرافيا وحدها لا تحمي الدول، والقرب لا يمنع الصراعات، وأن الأمن، مهما بدا مستقراً، قد ينهار في ساعات إذا غابت منظومة قادرة على حمايته.
بعد ستة وثلاثين عاماً، وفي ظل الحرب الدائرة في المنطقة والاعتداءات الإيرانية على عدد من دول الخليج، يعود السؤال نفسه: ماذا تعلمنا من تلك اللحظة؟
تغريدة الدكتور أنور قرقاش بالأمس، التي ربط فيها بين ذكرى احتلال الكويت وقيمة التضامن الخليجي، أعادت طرح هذا السؤال في توقيت بالغ الأهمية، فالمنطقة تعيش واحدة من أكثر مراحلها اضطراباً منذ عقود، ومع ذلك تبقى الحقيقة نفسها، وهي أن أمن دول مجلس التعاون ليس ملفات منفصلة، بل معادلة واحدة، وإذا اختل أحد أطرافها امتد أثر ذلك إلى الجميع.
والحقيقة أن الإقرار بذلك لا يكفي، فبعد خمسة وأربعين عاماً على تأسيس مجلس التعاون لدول الخليج العربية، يبرز سؤال يطرحه كل خليجي: هل ما زال المجلس قادراً على أداء الدور الذي أنشئ من أجله، أم أن التحولات الإقليمية والدولية، بل وحتى الداخلية في دوله، تستدعي إعادة تعريف دوره وتطوير أدواته؟
في تقديري، لا يزال مجلس التعاون إحدى أنجح التجارب العربية الحديثة، ليس لأنه أنهى جميع الخلافات، بل لأنه أثبت قدرته على البقاء والاستمرار في منطقة لم تصمد فيها مؤسسات إقليمية كثيرة، وهذه قيمة استراتيجية لا يجوز التقليل منها.
عندما اجتمع القادة المؤسسون في أبوظبي عام 1981، كانوا يدركون أنهم لا يؤسسون منظمة بروتوكولية، بل إطار استراتيجي يوازن بين سيادة كل دولة وحاجتها إلى العمل الجماعي، وكان المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، يرى أن الوحدة مصدر القوة الحقيقي للشعوب والدول، بينما تعامل الملك فهد بن عبدالعزيز مع المجلس باعتباره ركيزة للأمن الإقليمي، ورأى الشيخ جابر الأحمد الصباح في التعاون الخليجي ضمانة للاستقرار.
ولم تمض سوى تسع سنوات حتى جاء غزو الكويت ليبرهن أن تلك الرؤية لم تكن ترفاً سياسياً، بل قراءة دقيقة لطبيعة المنطقة، فمنذ ذلك اليوم، أصبح أمن الخليج منظومة مترابطة، يتأثر بما يجري في أي عاصمة خليجية، ويستدعي استجابة جماعية كلما تعرضت إحدى الدول لتهديد.
وما شهدته المنطقة، خصوصاً خلال الأشهر الأخيرة، يؤكد أن هذا الدرس لم يفقد صلاحيته، فالتهديدات لم تعد تقتصر على الجيوش التقليدية، بل تمتد من الصواريخ والطائرات المسيّرة إلى الهجمات السيبرانية، ومن استهداف الممرات البحرية إلى تعطيل سلاسل الإمداد، ومن حروب المعلومات إلى المنافسة العالمية على التكنولوجيا والطاقة والذكاء الاصطناعي.
وهذا يعني أن المجلس، إذا أراد الحفاظ على مكانته، لا يستطيع أن يعمل بالعقلية نفسها التي صُمم بها قبل أربعة عقود، فالمؤسسات الناجحة لا تعيش على أمجاد الماضي، بل تتطور مع تغير العالم، لذا علينا كخليجيين أن نعرف أي مجلس تعاون نريد.
لقد أثبتت التجارب أن دول الخليج، عندما تتحرك بصورة جماعية، تكون أكثر تأثيراً في محيطها الإقليمي والدولي، وهذا ما رأيناه في ملفات الطاقة، وأمن الملاحة، والتنسيق الاقتصادي، كما أن النجاحات التي تحققت في الربط الكهربائي، والاتحاد الجمركي، والسوق الخليجية المشتركة، تؤكد أن التكامل ليس فكرة مثالية، بل مشروع قابل للإنجاز متى توافرت الإرادة السياسية.
لكن التحدي الحقيقي ليس أن تتطابق سياسات دول الخليج في كل ملف، فهذا غير واقعي ولا ضروري، وإنما أن تمتلك إطاراً مؤسسياً قادراً على تنسيق المواقف، وإدارة الاختلافات، واتخاذ القرار الجماعي عندما تكون المصالح المشتركة على المحك، فقوة مجلس التعاون لم تكن يوماً في إلغاء الفوارق بين أعضائه، بل في منعها من التحول إلى انقسامات استراتيجية.
وربما تكون الذكرى السادسة والثلاثون لاحتلال الكويت مناسبة لإعادة التأكيد على حقيقة بسيطة، لكنها شديدة الأهمية، وهي أن مجلس التعاون ليس إرثاً نحافظ عليه وفاءً للمؤسسين فقط، بل مشروع يجب تطويره وفاء للمستقبل وللأجيال القادمة.
لقد نجح الجيل المؤسس في بناء المؤسسة التي احتاجت إليها المنطقة في ثمانينيات القرن الماضي، أما مسؤولية هذا الجيل، فهي بناء مجلس يواكب المتغيرات، ويملك من المرونة والقدرة ما يمكّنه من حماية المصالح الخليجية في العقود المقبلة.
المنطقة التي تغيرت كثيراً منذ عام 1990، تحتاج اليوم إلى مجلس يتغير معها، لا أن يكتفي باستحضار أمجادها، أما الفكرة التي وُلد منها المجلس، فلم تتغير، بل ازدادت رسوخاً ووضوحاً وهي أن أمن الخليج واحد، وأن استقراره مسؤولية مشتركة، وأن وحدته، مهما تبدلت الظروف، ستبقى أفضل استثمار في مستقبل المنطقة.
X: @MEalhammadi

logo اقرأ المزيد

الأكثر قراءة