الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

دعاة السلام في موقف حرج

6 سبتمبر 2026 00:13 صباحًا | آخر تحديث: 6 سبتمبر 00:14 2026
دقائق القراءة - 3
شارك
share
لم تعد المشكلة في الشرق الأوسط أن السلام بعيد المنال، وإنما أصبحت أن هناك طرفاً يبدو كأنه لا يريد لهذا السلام أن يكتمل أو حتى يقترب، ففي كل مرة تمتد يد للحوار، وفي كل مرة تظهر مبادرة للتهدئة، وفي كل مرة يحاول طرف إقليمي أو دولي إغلاق باب الحرب، نجد إسرائيل تفتح باباً جديداً للصراع.
إسرائيل اليوم لا تبدو فقط دولة تدافع عن أمنها، كما تقول دائماً، وإنما دولة جعلت من الحرب سياسة، ومن التوتر وسيلة، ومن القوة العسكرية لغة أولى وأخيرة في التعامل مع المنطقة، فهي لا تقاتل فقط من يرفع السلاح في وجهها، بل تبدو مستعدة لقطع كل يد تمتد إليها بالسلام، كأن السلام الحقيقي هو الخطر الذي تخشاه أكثر من الحرب.
القضية لم تعد غزة ولا الضفة، لكنها تجاوزت ذلك بكثير، ويبدو أن إسرائيل قد وضعت تركيا على أجندتها، فأنقرة لم تسلم من الاستفزازات والصراعات السياسية والعسكرية، ولا يخفى على أحد أن العدوان على مطار أبو الظهور في سوريا كان الهدف منه جر تركيا إلى قلب الصراع.
القاهرة أيضاً لم تسلم من الاستفزازات الإسرائيلية منذ السابع من أكتوبر 2023، حيث وجدت مصر نفسها في قلب معركة شديدة التعقيد، مساعٍ إسرائيلية لتهجير الفلسطينيين أحبطتها مصر وأطراف عربية. ورغم الرفض الدولي للتهجير إلا أن المساعي الإسرائيلية مازالت مستمرة، القاهرة تتحرك لإدخال المساعدات إلى غزة، وتسعى إلى وقف الحرب، وتبذل جهوداً دبلوماسية لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، لكنها تصطدم بسياسات تعرقل الحلول وتطيل عمر الأزمة.
الكثير من المراقبين يرون أن الحرب الإسرائيلية الأمريكية الإيرانية لم يكن هدفها النووي الإيراني بل زج الإقليم والعالم كله في حرب بلا أفق، حرب طالت شظاياها دول الخليج ودولاً عربية أخرى وعطلت حركة الملاحة وألقت بظلال قاتمة على الاقتصاد العالمي واقتصادات دول كانت وستظل تدعو للسلام وتحذر من العواقب وتبذل كل ممكن لتحقيق الاستقرار في الإقليم.
فلسطينياً، غزة هي الدليل الأكثر وضوحاً على أن إسرائيل لا تريد سلاماً، فبعد مبادرة لوقف إطلاق النار، وبعد كل وساطة، وبعد كل حديث عن تسوية أو إعادة إعمار أو مستقبل سياسي للقطاع، تعود آلة الحرب لتفرض نفسها من جديد.
استمرار العدوان ليس تحدياً للفلسطينيين والعرب وحدهم، وإنما لكل من قدم نفسه راعياً للسلام، إنه تحدٍّ للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي تبنى وثيقة لإنهاء الحرب في غزة، وتحدٍّ للجهود الأمريكية والدولية التي تتحدث عن مجلس أو إطار للسلام وإعادة ترتيب مستقبل القطاع.
وفي الضفة الغربية، لا يبدو المشهد أقل قسوة، فالحصار والاقتحامات والملاحقات والاعتداءات والاستيطان أصبحت كلها أدوات يومية لفرض واقع جديد، ولن تكون بلدة قصرة آخر الأمثلة، وما تعرضت له يؤكد المؤكد وهو أن الفلسطيني لا يعيش فقط في ظل احتلال أراضيه، بل أصبح أسيراً في بيته محاصراً في رزقه مهدداً في حياته وحركته ومياهه وأمنه ومستقبله.
المنظمات الدولية، خصوصاً العاملة في الأرض المحتلة، هي أيضاً هدف للجيش والجبروت الإسرائيلي الذي يخوض حرباً مفتوحة ضد وكالة غوث اللاجئين الفلسطينيين «الأونروا» وآخر فصول الحرب عليها كان قبل أيام، عندما اقتحمت القوات الإسرائيلية معهد قلنديا للتدريب المهني التابع للأونروا واستولت عليه عنوة، وهو آخر منشأة عاملة للوكالة في القدس الشرقية المحتلة، في إطار مساعيها المتواصلة لإضعاف الوكالة الدولية التي تمثل شاهداً على قضية اللاجئين الفلسطينيين، بهدف طمس الذاكرة السياسية والإنسانية لقضية ملايين منهم، كأن المشكلة يمكن أن تختفي بمجرد إلغاء المؤسسة التي تحمل اسمها.
لبنان أيضاً يمد يده للسلام والرد الإسرائيلي اعتداءات لا تتوقف، وهو ما يضع الحكومة اللبنانية وكل من يدعو إلى الحل السياسي في موقف بالغ الصعوبة أمام القوى التي تؤمن بأن إسرائيل لا يصلح معها سوى منطق القوة.
وإذا كانت إسرائيل تستطيع أن تستمر في الحرب، وأن تفتح جبهة بعد أخرى، وأن تتحدى المجتمع الدولي، فإنها يجب أن تدرك أن السلام الذي تعرقله اليوم قد يصبح غداً بعيد المنال.
[email protected]

logo اقرأ المزيد

الأكثر قراءة