في كتابهما «العبودية مقابل الأمن.. تكنولوجيات السيطرة على البشر»، يتناول ندى فاضل الربيعي وعباس الزبيدي التحولات العميقة في علاقة الفرد بالدولة والتكنولوجيا في القرن الحادي والعشرين، ويطرح الكتاب إشكالية مركزية: هل يمكن للفرد أن يحتفظ بحريته وخصوصيته في عصر تتقاطع فيه مصالح الشركات التكنولوجية مع أجهزة الاستخبارات، وتتحول فيه البيانات الشخصية إلى سلعة وسلاح؟
التكنولوجيا الرقمية ليست محايدة، بل تستخدم بشكل منهجي من قبل تحالفات حكومية (كتحالف «العيون الخمس») وشركات كبرى (كجوجل، فيسبوك، أمازون)، لخلق نظام مراقبة شامل، يهدف إلى «تدجين البشر» وجعله جزءاً من اللعبة لا ضدها، تحت شعارات برّاقة كالأمن، والصحة العامة، والراحة، والحداثة.
ويؤكد الكتاب أن الخصوصية هي جوهر الحرية، وأن انتهاكها ليس مجرد جريمة أخلاقية، بل هو أداة للسيطرة المطلقة، تصل إلى حد اختراق العقل البشري عبر تقنيات التصوير العصبي، وفك التشفير الذهني، وفي هذا السياق، يقدم الكتاب تحذيراً فلسفياً مستلهماً من جورج أورويل، مؤكداً أن رواية «1984» لم تكن تنبؤاً، بل تحذيراً من مستقبل نعيش ملامحه اليوم.
يركز المؤلفان على كشف البنية التحتية للتجسس العالمية، بدءاً من التجارب الصغيرة وصولاً إلى التحالفات الاستخباراتية الكبرى، ويبدأ الكتاب بحالة دراسية مثيرة: ملهى ليلي في روتردام عرض على رواده زرع شريحة إلكترونية (RFID) تحت الجلد للدفع والدخول، بحجة منع السرقة، وتم تسويق الفكرة على أنها موضة وحلّ عملي، ووافق المئات على زرع الشريحة من دون إدراك للمخاطر.
يكشف الكتاب عن تطورات مذهلة لهذه الفكرة، منها براءة اختراع لشريحة تحتوي على سم (السيانيد) لقتل حاملها عن بعد في حال خرج عن القانون، ما يطرح تساؤلات أخلاقية مرعبة عن مستقبل هذه التقنيات، كما يذكر أن تجارب مماثلة انتشرت في السويد، وأمريكا اللاتينية، وإفريقيا، بأسباب متعددة، لكن بنتيجة واحدة: تطبيع زرع أجهزة التتبع في جسد الإنسان.
ويشبّه الكتاب إدوارد سنودن بباندورا التي فتحت صندوق الشرور، حيث كشف هذا الموظف السابق في وكالة الأمن القومي عن برامج مراقبة ضخمة، ويفصل الكتاب دوافع سنودن، وكيف تحول من جندي مخلص إلى أشهر منشق استخباراتي في التاريخ، ثم يكشف عن تحالف «العيون الخمس، وهو اتفاق تجسس استخباراتي سري بين دول ناطقة بالإنجليزية (أمريكا، بريطانيا، كندا، أستراليا، نيوزيلندا)، يقوم على تقسيم العالم لمناطق للتجسس وتبادل المعلومات.
ويكشف الكتاب أن هذا التحالف لم يتوقف عند مراقبة الدول المعادية، بل امتد ليشمل حلفاءه، كما حدث مع التجسس على المستشارة الألمانية، أنجيلا ميركل، محاولاً اختراق متاجر تطبيقات الهواتف الذكية لزرع برمجيات تجسسية.
ويستعرض الكتاب إنترنت الأشياء باعتباره «حصان طروادة» الجديد الذي ندخله إلى منازلنا بإرادتنا، من دون أن ندرك تداعياته الأمنية، ويصف كيف تحولت الأجهزة المنزلية (الثلاجات، أجهزة التلفاز، أجراس الباب، منظمات الحرارة) إلى أدوات تجمع البيانات عن عاداتنا، وحياتنا الخاصة.
ويقدم الكتاب سيناريوهات مرعبة للحرب السيبرانية: إفراغ الحسابات البنكية، تعطيل إشارات المرور، إغلاق محطات الطاقة، فتح السدود المائية، وحتى تعطيل أنظمة الدفاع الصاروخي، ويشير إلى أن هذه الهجمات يمكن أن تُشن من أي مكان في العالم، مع صعوبة تحديد مصدرها، ما يجعل الرد والانتقام أكثر صعوبة.
سيناريو مرعب
«ما بعد الفوضى» هذا الفصل هو الأكثر تشاؤماً، إذ يرسم سيناريو مستقبلياً للحرب الرقمية والأسلحة النووية، ويرسم المؤلفان صورة كئيبة لما بعد انهيار الحضارة الرقمية بسبب الحروب، في هذا السيناريو، تختفي شبكات الكهرباء والإنترنت، وتنهار وسائل التواصل الاجتماعي، وتصبح الخصوصية بلا معنى، لأن الجميع يبحثون عن لقمة العيش تحت ظلام دامس، ويشير الكتاب إلى أن هذا السيناريو أصبح أكثر احتمالاً من أي وقت مضى، مع تزايد الاعتماد على الأنظمة الرقمية في إدارة كل شيء، من المواصلات إلى توزيع المياه والكهرباء.