ست سنوات مضت على انفجار مرفأ بيروت في الرابع من أغسطس/آب 2020، لكنَّ أصداءه لا تزال جمراً في نفوس اللبنانيين، لا الذين فقدوا أحبّة، أو خرجوا مصابين فقط، فمعهم أيضاً من تزلزلت في دواخلهم قيمة العدالة التي أراد تيار إغراقها في تفاصيل التعطيل والتسييس، فعمّق جراح ذوي الضحايا والجرحى.
تجاوزت خسائر انفجار مرفأ بيـروت ما هـو بشـري أو مادي إلى معنى أوسع، وهو غياب سلطة الدولة القادرة على أن تنصف المكلومين وتكرّم أرواح الضحايا وتداوي المصابين بإنفاذ القانون، والأهم تحرير القرار الوطني من سطوة «حزب الله».
ويتداخل في ملف مرفأ بيروت ما هو قانوني وأخلاقي وسياسي في معنى الدولة، ولعلّ ما يشهده لبنان من خطى نحو استعادة سيادة الدولة، وتحرر أراضيها وقراراتها من هيمنة أي تيار يكون، في مناسبة الذكرى السادسة للانفجار، باب أمل يقرّب من تحقيق العدالة التي يرى الرئيس اللبناني جوزيف عون أنها باتت ضرورة لا تحتمل مزيداً من الانتظار.
على وقع التغيّرات الجارية، تبدو الدولة اللبنانية جادة في تحقيق عدالة لا خلاف على أنها تأخرت في قضية مرفأ بيروت، لكنها لن تبقى أسيرة تسويات، أو مواءمات، أو استثناءات، كما تعهد نواف سلام، رئيس الحكومة، في أي ملف.
إن الرئيس اللبناني ورئيس الحكومة يعلمان أن مضي السنوات لا يُنسي اللبنانيين صدمة الانفجار، بل إنه يفاقمها كلما تأخرت العدالة، ويفقدهم الثقة في مساراتها. ومنذ بداية مهامهما، أبدى جوزيف عون ونواف سلام جدية في التعامل مع هذا الملف، إدراكاً لارتباطه بأحد أكثر الأيام إيلاماً في عمر لبنان ومحبيه، وأن عرقلة مساره القضائي لا تقل جريمة عن الفعل الأصلي.
ربما تكون المستجدات على الساحة اللبنانية وما تفرضه من موازين قوى جديدة، فرصة سانحة للبدء في حسم القضية في مسار قضائي مستقل لا يُرهب رموز العدالة ولا مؤسساتها، ولا يقيم اعتباراً لمكانة مسؤول أو تبعية آخر.
إن التعجيل الذي دعا إليه عون، عشية الذكرى السادسة للانفجار، في إغلاق المسار القضائي، على نحو لا انتقام فيه، ولا انتقاص من الحقيقة، ولا تغاضي عن محاسبة أي مقصر، أياً كان موقعه أو صفته، كفيل بأن يكشف جرائم في حق لبنان تراكمت وأمنت العقوبة حتى انفجرت في وجه الجميع انطلاقاً من المرفأ.
والعدالة المنتظرة ليست حتمية فقط لأهالي أكثر من 220 قتيلاً وأكثر من 6000 مصاب، بعد أن تبددت صرخاتهم في متاهات سياسية، ودُفِع معظمهم عمداً إلى اليأس من التعويل على القضاء، أو الاعتقاد بأن الحقيقة ضاعت معالمها مع الانفجار.
هي معركة ليست سهلة للدولة اللبنانية، لكنها قادرة على خوضها، كما تفعل مع غيرها، وتحرير الملف مما عطّله خلال السنوات الماضية، لتنهض الحقيقة مجدداً، وتكتمل عودة وجه لبنان الحقيقي الذي يعلو على أقسى المحن ويستعصي على الاختطاف.