لم تعُد مراكز «تسهيل» و«توجيه»، ومراكز الطباعة والخدمات الحكومية المساندة، تعمل في الوقت الحالي بالآلية ذاتها التي انطلقت بها قبل سنوات، بعدما فرض التحول الرقمي والأتمتة والذكاء الاصطناعي واقعاً جديداً، أعاد تشكيل مشهد الخدمات الحكومية في دولة الإمارات. تحقيق: محمد ياسين
فمع انتقال نسبة متزايدة من المعاملات إلى التطبيقات والمنصات الرقمية الحكومية، وتغيّر سلوك المتعاملين واعتمادهم المتزايد على الخدمات الذكية، وجدت هذه المراكز نفسها أمام تحدٍّ يتمثل في إعادة تعريف دورها، والمحافظة على استدامة أعمالها في ظل ارتفاع الكُلف التشغيلية، ومتطلبات التوطين، وتراجع حجم المعاملات التقليدي.
قال حسين الغزال الشامسي، نائب رئيس مجلس إدارة إنجازات للمعاملات الحكومية، إن التحول الرقمي لم يكن مفاجئاً للمراكز التي واكبت، منذ سنوات، توجه الحكومة نحو الأتمتة والخدمات الذكية، مؤكداً أن «إنجازات» وضعت ضمن خططها الاستراتيجية إدارة للمخاطر تأخذ في الحسبان، التغيّرات المتوقعة في قطاع الخدمات الحكومية.
حسين الشامسي
وأكد أن المرحلة الحالية لم تعُد تشهد منافسة بين المراكز التقليدية فقط، بل أصبحت المنافسة الحقيقية مع الأنظمة الذكية والذكاء الاصطناعي، ما دفعنا إلى إعادة صياغة نموذج أعمال عبر التوسع الجغرافي، وتنويع الخدمات وتطوير حلول رقمية خاصة بها.
وأوضح أن المجموعة عملت مبكّراً على إطلاق تطبيق إلكتروني وخدمات عن بعد تتيح للمتعامل إنجاز معاملاته، من دون الحاجة إلى زيارة المركز، وتوفير خدمات توصيل المستندات إلى المنازل، مؤكداً أن تجربة جائحة «كوفيد 19» أثبتت إمكانية استمرار الخدمات وإنجازها بكفاءة، حتى في ظل الإغلاق الكامل.
العنصر البشري
وأشار إلى أن دولة الإمارات تضم مجتمعاً متنوعاً بنحو 200 جنسية، تختلف مستويات تعاملها مع التكنولوجيا، ما يجعل الحاجة إلى العنصر البشري قائمة، خصوصاً لدى العمال، وكبار السن، وأصحاب الاستفسارات المتخصصة الذين يحتاجون إلى التوجيه المباشر قبل اتخاذ أي إجراء.
وأضاف أن مستقبل المراكز يكمن في تقديم حلول متكاملة للمتعامل بدلاً من الاكتفاء بتنفيذ المعاملة، بجمع الخدمات الحكومية المختلفة في مكان واحد، وتوفير الاستشارة والمتابعة الفنية، والدعم المستمر، مؤكداً أن قيمة المراكز مستقبلاً ستقاس بقدرتها على تسهيل رحلة المتعامل، وتقديم حلول شاملة له، وليس بعدد المعاملات التي تنجزها فقط.
طبيعة عمل مختلفة
وأكدت مريم محمد حسين، مديرة في مركز الثقة للخدمات المتكاملة، أن التحول الرقمي غيّر طبيعة عمل مراكز الخدمة، لكنه لم يلغِ الحاجة إليها. وشريحة واسعة من المتعاملين لا تزال تحتاج إلى جهة متخصصة تشرح الإجراءات، وتتابع الطلبات، وتنسق بين الأنظمة المختلفة.
مريم حسين
وقالت إن المعاملة الواحدة قد تتطلب التعامل مع جهات حكومية عدة، لكل منها أنظمتها ومتطلباتها الخاصة، ما يجعل مراكز الخدمة جهة خبيرة قادرة على اختصار الوقت، والجهد، والمال على المتعامل.
التكنولوجيا والخبرة البشرية
وأضافت أن مركز الثقة تعامل مع هذا التحول بتطوير تطبيق ذكي يتيح للمتعامل طلب الخدمة إلكترونياً، فيما يتولى المتخصصون استكمال الإجراءات عبر الأنظمة الحكومية المختلفة، بما يجمع بين مزايا التكنولوجيا والخبرة البشرية.
وأشارت إلى أن المنافسة الحالية لم تعُد تعتمد على تنفيذ المعاملات فقط، بل على جودة الخدمة، وسرعة الإنجاز، وتوفير حلول متكاملة. والمركز توسع في مجالات جديدة تشمل خدمات المحاكم والخدمات الهندسية، ومراكز الاتصال والخدمات المنزلية، وإدارة 30 جهة خدمية، وتقديم 300 خدمة متنوعة، والتوسع إقليمياً في دول أخرى.
وأكدت أن المتعامل اليوم يبحث عن جهة تمتلك المعرفة والخبرة، وتستطيع تقديم المشورة الصحيحة منذ بداية المعاملة وحتى اكتمالها، ما يمنح مراكز الخدمات فرصة للتحول من دور المنفذ إلى دور الشريك الاستشاري المتخصص.
وتنسجم هذه الرؤية مع ما أكدته آمنة البلوشي، مشرفة في مراكز خدمات حكومية «تسهيل»، التي ترى أن مراكز الخدمة لم تعُد مجرد منافذ لطباعة المعاملات، بل أصبحت مطالبة بتقديم قيمة مضافة تتمثل في الاستشارات والمتابعة الفنية، وحلّ المشكلات المرتبطة بالأنظمة الرقمية.
وقالت إن مراكز الخدمات الكبرى تواجه تحديات عدة، أبرزها انتشار التطبيقات الذكية، ومكاتب الطباعة الصغيرة التي تقل فيها الكلفة التشغيلية، ما ينعكس على أسعار الخدمات المقدمة للجمهور، ويزيد حدة المنافسة داخل القطاع.
وأضافت أن حجم العمل تغيّر بصورة كبيرة خلال السنوات الأخيرة. وقبل انتشار الخدمات المجانية عبر التطبيقات والمنصات الذكية كان بعض العاملين في المركز ينجز نحو 100 معاملة يومياً، بينما أصبح من الصعب حالياً الوصول إلى 10 معاملات يومياً، أو أقل في بعض الأوقات، ما انعكس على تحقيق المستهدفات التشغيلية، وعلى حجم العمولات والحوافز المرتبطة بالإنتاجية.
دعم مباشر
وفي السياق ذاته، قال سالم أسرار الحق، موظف في «تسهيل»، إن الأتمتة لا تعني اختفاء دور المراكز، بل انتقاله من تنفيذ المعاملات إلى تقديم الاستشارات الرقمية. لأن الكثير من أصحاب المنشآت الصغيرة والعمالة المحدودة الخبرة التقنية لا يزالون بحاجة إلى دعم مباشر لتجنب الأخطاء التي قد تؤخر إنجاز طلباتهم.
سالم أسرار الحق
وأشار إلى أن مراكز الخدمات الحكومية تمتلك خبرات تراكمية واسعة في التعامل مع الأنظمة الحكومية المختلفة، ما يجعلها شريكاً مهماً في رفع جودة الخدمات وتقليل الأخطاء وتحسين تجربة المتعامل.
وأضاف أن بعض المكاتب تعتمد على الخدمات الإلكترونية التي تتيحها المؤسسات الحكومية لإنجاز معاملات الجمهور بكلفة تشغيلية أقل.
ضغوط مالية
وفي مقابل التحول الرقمي، أكدت عايدة الشامسي، موظفة في مركز «تسهيل» أن المراكز تواجه ضغوطاً مالية وتشغيلية متزايدة، إذ تستمر الكُلف المرتبطة بالإيجارات والرواتب والأنظمة التقنية في الارتفاع، بينما تتراجع الإيرادات التقليدية نتيجة انخفاض حجم المعاملات الورقية، وانتقال جزء كبير منها إلى المنصات الذكية.
وأضافت أن المنافسة لم تعُد تقتصر على المراكز المعتمدة، بل امتدت إلى التطبيقات الذكية وبعض مكاتب الخدمات الصغيرة، ما يفرض على المراكز الكبرى الاستثمار المستمر في التكنولوجيا وتطوير الخدمات، ورفع كفاءة الموظفين للحفاظ على قدرتها التنافسية.
تدريب مستمر
وأكدت بدرية صالح الجسمي، مديرة مركز «توجيه»، أن المراكز ملتزمة بتوفير فرص العمل للمواطنين، إلا أن طبيعة العمل في القطاع الخاص تختلف عن بعض القطاعات الأخرى، من حيث ساعات العمل، ومستهدفات الإنتاجية، ومتطلبات التشغيل اليومية.
بدرية الجسمي
وأوضحت أن الحفاظ على الكوادر الوطنية يتطلب توفير بيئة عمل محفزة، ومسارات مهنية واضحة، وبرامج تدريب مستمرة تؤهل المواطنين لشغل وظائف المستقبل المرتبطة بالخدمات الذكية والاستشارات الرقمية. وقالت إن التحديات التشغيلية تختلف من إمارة إلى أخرى، وفق حجم النشاط الاقتصادي، وعدد المنشآت، والكثافة السكانية، ومستوى المنافسة بين المراكز. وبعض المناطق تشهد وفرة في عدد المراكز مقارنة بحجم الطلب، فيما تواجه مناطق أخرى تحديات في استقطاب الكفاءات الوطنية المتخصصة في الأنظمة الرقمية والخدمات الحكومية.