خلال اللقاءات مع المقربين من الأقارب أو الأصدقاء، ومن باب المودة والحرص، يتم طرح أسئلة شخصية مباشرة مثل: لماذا لا تغير سيارتك؟ هل تم زيادة راتبك الشهري؟ هل تم ترقيتك؟... وغيرها من الأسئلة التي فيها اقتحام للخصوصية وتدخل واضح في الحياة الشخصية.
عندما نتلقى مثل هذه الأسئلة، تنتابنا مشاعر منقسمة، فنحن نشعر بالتقدير والاحترام، لكن هناك أيضاً مشاعر الضيق من الدخول إلى المساحة الشخصية. وبطبيعة الحال في مجتمعاتنا المعروفة بالترابط، قد يفسر عدم الإجابة أو تجنبها بأنه جفاء أو قطع للتواصل أو حتى استعلاء. ومع أن صلات القربى أو الصحبة الطويلة ليست مبرراً أو سبباً لاقتحام الخصوصية والمساحة الشخصية، ومعرفة تفاصيل الحياة اليومية، فإن المعالجة مهمة وفي الوقت المناسب ودون تردد، لأن المجاملة أو التسويف يؤديان إلى واحد من أمرين: إما الانفجار المفاجئ في وجه من يوجه مثل هذه الأسئلة، بسبب تراكم الغضب، وإما أن يحدث انسحاب تدريجي وصمت جاف بهدف تجنب هذه الأسئلة، والنتيجة في كلا الأمرين خسارة التواصل.
أعتقد أن نمو مثل هذه الحالة يعود إلى عدم رسم حدود بين الأصدقاء، أو حتى بين الأقارب، هذه الحدود تحتاج إلى مهارة دافئة تستوعب الحدث، لكنها في اللحظة نفسها تمنع التجاوز، مثل مهارة الامتصاص، فعندما يطرح عليك سؤال شخصي، ابدأ بتقدير السؤال، كأن تقول: أعرف أنك تسأل من باب الحرص والمحبة، وهذا يسعدني. بهذه الجملة تكسر حدة ما قد يأتي لاحقاً من كلمات مثل: لكن هذا الموضوع بالتحديد لا أفضل التحدث عنه الآن.
وهناك مهارة أخرى هي تغيير المسار، وتتلخص بإعطاء إجابة عامة وموجزة، ثم تغيير الموضوع إلى جانب آخر بعيد، مثل أن تقول: الحمد لله، الأمور تسير بشكل طيب، بشرنا عن صحتك وأخبار عملك... في العادة الناس يحبون التحدث عن أنفسهم. ولا ننسى مهارة الحزم بهدوء ودون تبرير، فعندما يطرح عليك سؤال شخصي، لا تبرر ولا تعطي انطباعاً بأنك متهم وفي حالة دفاع، على العكس كن هادئاً، وارفض الإجابة بأسلوب راقٍ وواضح وبابتسامة مع جمل قصيرة ومحددة.
عندما يقال ضع حدوداً شخصية، ليس الهدف إبعاد الناس عنك، بل حتى تدوم الصلة والتواصل معهم، في جو صحي ونفسي إيجابي وسليم، دون التسبب في أي أذى لهم أو لأنفسنا، فمن الطبيعي أن يهتم بك الناس المقربون منك، لكن أيضاً عليهم احترام مساحتك الشخصية.
