من المفارقات الغريبة في تأريخ الحياة السياسية في لبنان، الافتقار اللبناني القديم المُخيف لصيغ الجمع المستحيل غيرالمتعاون والمتكاتف، أو حتى المنتمي لما يتجاوز مساحة لبنان الصغير المدموغة بالطائفيات، والمذهبيات، والجغرافيات المتعددة.
أكتب في ضوء وطننا الخافت خارج مساحته الجميلة المتواضعة، السبب الذي يجعلني حزيناً لتصدّر هذا النص، معترفاً قانوناً وواقعاً: تصوّروا أن عدد الأحزاب المسجلة رسمياً بلغ وفق نظام «العلم والخبر» لتأسيس الجمعيات والأحزاب، تسعة وتسعين حزباً وتجمّعاً تنشط فيما اعتادت الألسن السياسية والإعلامية تسميته: الساحة. لست بحاجة كبرى لتوصيف الساحة سواء بصيغة المفرد أو الساحات بالجمع. لماذا؟
لأنه بمجرّد أن تجتمع مجموعة من الأشخاص، وتكلّف محامياً المضي بملف يضمن من المؤسسين، وأقلهم خمسة وأكثر، تقديم طلب لوزارة الداخلية مع «الوثيقة السياسية» للتجمع، تبرز المبادئ والأهداف والإصلاحات التي يتطلع المجتمعون لتحقيقها، يصبح من حقّهم القانوني وعقد الاجتماعات الأسبوعية وزيارة المسؤولين الرسميين، والسفارات، وإصدار البيانات، والمشاركة في المهرجانات، والتعبير عن مواقفهم عبر وسائل الإعلام، وصولاً إلى المشاركة في الترشح للانتخابات البرلمانية، إذ تُفتح الأبواب على مصراعيها للحريات السياسية التي تفتقر أحياناً إلى لجمها.
قد يكون هذا المشهد دليلاً على نسف هوامش الحريات، لكنه يثير قطعاً، في المقابل، تساؤلات عميقة حول مخاطر انعكاس هذا التعدد الحزبي المُغلّف بالصراعات، الطائفية والمذهبية، بما يحول دون بناء الدولة الديمقراطية المعاصرة. أكتب هذا في وطن أنهكته الانقسامات، الطائفية والمذهبية والمناطقية والشخصانية، وتداخلت في شؤونه تأثيرات القوى الإقليمية والدولية، فتتكرّر المشاهد والأزمات السياسية لتراكم الانقسامات الدائمة، وكأن لبنان ينتظر بلوغ عصر من الاستقرار، السياسي والاجتماعي والإنساني.
للتاريخ، قضى الاجتماع الأول للبرلمان بعد اتفاق الطائف، بانتخاب رينيه معوض رئيساً للجمهورية الذي اغتيل، رحمه الله، بعد 17 يوماً، ليتسلّم الرئيس الياس الهراوي، رحمه الله، الجمهورية، وتُصدر الحكومة الأولى المرسوم الأوّل بتعيين الجنرال إميل لحّود قائداً للجيش، ثمّ المرسوم الثاني بتعييني عضواً في مجلس إدارة تلفزيون لبنان، الأمر الذي جعلني في قلب جمهورية الطائف اللبنانية منذ 35 سنة، إذ وجدت نفسي في هيئة الدفاع الوطني، ومن مهماتي تسلّم تلفزيون الحازمية عقب رحيل الجنرال ميشال عون، نحو باريس، لأُتابع مع قادة الجيش ومعاونيهم الذين تسلّموا رئاسة الجمهورية، أقصد: إميل لحود، وميشال سليمان، وميشال عون، وجوزيف عون، بعد قيادتهم للجيش اللبناني. يعني هذا التاريخ لديّ كتابا غنيّاً يدمغ المكانة الوطنية التي حظي، ويحظى بها الجيش، بوصفه المؤسسة الجامعة التي تضم اللبنانيين بعيداً عن الانقسامات الهائلة العاصفة بالحياة السياسية، حتى أن هذه المؤسسة نفسها لم تسلم من التجاذبات، السياسية والإعلامية.
قد يكون للإعلام اللبناني الحرّ، خصوصاً في عصر الفضائيات ووسائل التواصل الاجتماعي، المباحة والمستباحة، والذي كنت من الساهرين أبداً فيه وعليه، أستاذا ومديراً لكليّة الإعلام في لبنان، وخرّجنا أجيالاً، ووزراء في الصحافة والعلاقات العامة والإعلام، والتي يفترض بها أن تكون جوهرة السلطة الرابعة، فإذا بها سلطات لا متناهية، تشهد تحولات لا حدود لها، ولا ضوابط، مع توسع الفضائيات والمنصات الرقمية، ووسائل التواصل الاجتماعي، حتى بدت حرية التعبير حرّية عارية نهائياً، لكأنها السلطة السائبة الأقوى، والأولى، والأشدّ تأثيرا في تشظّي الرأي العام، وتوجيه النقاشات السياسية والاجتماعية بما يستحيل ضبطه عبر ساحات وسائل التواصل، كما تسمّى في لبنان. ليس معقولاً أنّ معظم من يطلّون من الشاشات وينشرون النصوص أدمنوا القول بالساحة، أو الساحات اللبنانية.
إذا كان الفيلسوف مونتسكيو أرسى مسألة توازن السلطات بوصفها الضامنة للديمقراطية، فإن الواقع اللبناني يوحي بأن الإعلام بات، بحريّاته الرقمية، خارج أسوار القوانين في لبنان تحديداً، إذ أصبح لاعباً رئيساً يتجاوز بتأثيره المؤسسات الدستورية والسلطات المتفرعة عنها.
لا يعني ذلك التقليل من قيمة حرية التعبير التي كانت من أبرز سمات لبنان، لكنها، كغيرها من الحريات، تحتاج إلى مسؤوليات وضوابط مهنية وأخلاقية. لا حريات سائبة بلا حدود تعميقاً للانقسام المقيت، وإضعاف الثقة بمقدرات الدولة. ليس أخطر على لبنان من أن يُدمن الناس أزماته لتغدو الفوضى نظاماً، والانقسام ثقافة، والاستثناء قاعدة، لأن إدمان هذا الهبوط، يعني ضمور الهيكل العظمي الذي تقوم على أساسه الدول، وترتقي معها الأجيال، محمية من كوارث الانقسامات الوطنية والمستوردة، وهذا كي لا نبحث ذات يوم عن بقايا وطن في المستقبل.
