الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

أوروبا وفاتورة الأمان

8 أغسطس 2026 00:02 صباحًا | آخر تحديث: 8 أغسطس 00:02 2026
دقائق القراءة - 2
شارك
share
بينما تنشغل الصالونات السياسية في برلين وباريس بنقاشات معقدة حول المستقبل الدفاعي، تبدو الحقيقة أكثر بساطة وأشد قسوة من كل الحجج، فالقارة الأوروبية لم تعد تملك رفاهية الوقت، ولا خيار المجادلة في بديهيات أمنها القومي، فالحالة الراهنة التي تعيشها دول الاتحاد الأوروبي تؤكد بصورة قاطعة أن مظلة الحماية التقليدية الأمريكية لم تعد خياراً أبدياً يمكن الرهان عليه بثقة، بل أصبحت مسألة مرهونة بمتغيرات سياسية تتبدل وتتحول مع كل دورة انتخابية تشهدها واشنطن.
التغير الحاصل اليوم ليس مجرد خطابات تصعيدية تخرج من البيت الأبيض بين الحين والآخر، بل هو تحول بنيوي عميق في العقيدة السياسية الأمريكية، حيث تتجه واشنطن بشكل متزايد صوب إدارة مصالحها الخاصة وتوزيع الأعباء الدفاعية، بينما تصر العواصم الأوروبية على التعامل مع الملف الدفاعي كأنه بند مؤجل في جدول أعمال لا ينتهي، أو مجرد أزمة عابرة يمكن احتواؤها بالبيانات المقتضبة والحلول السطحية.
المشكلة الراهنة لا تكمن في غياب الرؤية السياسية أو انعدام الإرادة لدى بعض القادة الأوروبيين فقط، بل تتجسد في تلك الفجوة الصناعية والهيكلية العميقة. فالحديث المتكرر عن بناء صناعة عسكرية موحدة يصطدم بواقع تكنولوجي تتسيد فيه الشركات الأمريكية المشهد بلا منافس، وبمصالح اقتصادية وطنية ضيقة تجعل كل دولة أوروبية تسعى لحماية مصانعها وميزانياتها المحلية بدلاً من دمجها في مشروع دفاعي موحد. هذا التشتت يفرض الاعتماد على التسليح الخارجي كخيار أسرع وأوحد للتصدي لأي أزمة أمنية طارئة تقع على حدود القارة.
علاوة على ذلك، أدى تباطؤ الاستجابة الأوروبية إلى خلق اتكالية مفرطة على منظومات الإنذار المبكر والتجهيزات الاستخباراتية التي تستأثر بها الولايات المتحدة، مما يجعل القرار العسكري الأوروبي مكبلاً ومقيداً حتى في أوقات السلم. هذا الواقع المرير يكشف أن استكمال الشراكة يتطلب استثماراً حقيقياً في التقنيات المتقدمة بدلاً من الاكتفاء بشراء الأسلحة الجاهزة، لتفادي الوقوع في فخ التبعية التي تجعل الأمن التكنولوجي ركناً مفقوداً في منظومة الدفاع الأوروبية.
من جانب آخر، تبدو الخريطة الأوروبية ذاتها مجزأة وعاجزة عن التوافق الفعلي أمام هذا التحدي، فدول العمق الأوروبي في الغرب تنظر للاستقلالية الاستراتيجية كهدف بعيد المدى وتدعو لبناء قدرات ذاتية، بينما ترى دول أخرى أن المظلة الأمريكية هي خط الدفاع المباشر والوحيد، وتعتبر أي حديث عن بدائل محلية مجرد مجازفة غير محسوبة بحاضرها وأمنها، ما يعزز حالة الانقسام الداخلي ويربك القرار السياسي الموحد.
خروج أوروبا من هذه التبعية التاريخية لا يحتاج إلى مزيد من المبادرات الورقية أو البيانات الختامية للمؤتمرات الدبلوماسية، بل يتطلب قراراً بإعادة هيكلة الميزانيات الوطنية، وتوحيد بوصلة العقيدة العسكرية بين قادة القارة.
وما لم تدرك القيادات الأوروبية أن الأمان لا يُستجدى بالحلول المؤقتة بل يُبنى بالتضحيات الاقتصادية والتنسيق الميداني الفعلي، فستظل القارة تدفع ثمن سلامها بالتقسيط، ولحساب طرف آخر يملك وحده حق تحديد موعد سحب المظلة وإغلاق الملف برمته.
[email protected]

logo اقرأ المزيد

الأكثر قراءة