الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

البقاء للذاكرة

10 أغسطس 2026 00:02 صباحًا | آخر تحديث: 10 أغسطس 00:02 2026
دقائق القراءة - 2
شارك
share
بعد فيضان المحتوى صار السؤال الأهم: ماذا تبقى للمعرفة العميقة وسط تدفقه الهائل والسريع؟
إن المحتوى الترفيهي ليس مشكلة في ذاته لأن الإنسان يحتاج إليه كما يحتاج إلى المعرفة، لكن الخلل يبدأ عندما يصبح الترفيه الساذج هو الصورة الغالبة للمحتوى مع تراجع المساحات التي تحتاج إلى وقت وصبر وتركيز مثل قراءة الكتب والمقالات العميقة والأفلام والبودكاست المعرفية التي تستثير الفكر.
صحيح أن المنصات الرقمية غيرت طريقة استهلاكنا للمعرفة وسهلت إنتاج آلاف المواد التي تُنتج سريعاً وتنسى بالسرعة نفسها، لكن يجب أن لا ننسى أن الترفيه يمكن أن يكون عميقاً وملهماً وأن إنتاج المواد المعرفية الجادة لا يعني تفريغها من معناها أو سجنها في قوالب جامدة منفرة.
ولسنا بحاجة إلى أفراد ينتجون محتوى يومياً وشخصياً رديئاً لمجرد ملء المنصات وكسب المشاهدات، بل إلى مؤسسات تسعى لتهيئة بيئة معرفية متكاملة ومستدامة تتراكم عبر السنوات، وتبني ذاكرة من المحتوى الذي نحتاج إلى بقائه حتى إن لم يكن الأكثر رواجاً اليوم.
إن محتويات الكتب الجيدة والترجمات الجادة وإعادة إحياء المراجع وسائل عظيمة لإدخال المجتمع في الحوار الفكري العالمي ونوافذ جديدة للأسئلة والمفاهيم والتجارب الإنسانية، لأن قراءة الكتب العميقة ليست هدفاً لكل إنسان، فالهدف من الثقافة يجب أن يكون إيصال الأفكار المهمة إلى جميع القراء عبر أكثر من وسيلة، والقيمة هنا ليست في اختيار وسيلة ضد أخرى، بل في قدرة المؤسسة على نقل المعرفة بين الوسائط جميعها دون التضحية بجودتها.
إن ما نحتاج إليه أكثر مؤسسات تعرف كيف تجعل المعرفة محتوى يسهل الوصول إليه من دون تسطيحها، وتستخدم التقنيات الجديدة من دون أن تصبح أسيرة لخوارزميات الانتشار.
نحتاج إلى مؤسسات لا تسأل عن عدد من زاروا موقعنا وشاهدوا صفحاتنا فقط، بل تسأل أيضاً: ماذا أضفنا للناس وهل فتح محتوانا المنشور باباً للقراءة؟ هل ترجمنا معرفة جديدة لم تكن متاحة بالعربية؟ هل صنعنا مرجعاً يمكن العودة إليه بعد خمس سنوات؟ هل ساعدنا شاباً على اكتشاف كتاب أو مفكر أو سؤال جديد؟ وهل تركنا أثراً يتجاوز لحظة المشاهدة؟
إن التحدي الثقافي المقبل ليس أن نحرم الناس من الترفيه، لكن أن ننتج المزيد من المحتوى المعرفي الممتع الذي ينتشر ويستحق أن يبقى لأن الثقافة لا تقاس فقط بما ينجح اليوم بل بما يبقى غداً، وإذا كان المحتوى السريع يربح معركة الانتباه فإن المعرفة الجادة هي التي تربح معركة الذاكرة.
[email protected]

logo اقرأ المزيد

الأكثر قراءة