رئيس وزراء إسرائيل بنيامين نتنياهو أعلن ما كان يحاول أن يخفيه خلال الشهور الماضية، وكشف عن نواياه التي لا تريد السلام ولا تتمنى الاستقرار للمنطقة، وهذه المرة لم يكتفِ بالمراوغة التي يمارسها نهجاً في تصريحاته، ولكنه أعلن صراحة أن«إسرائيل ترفض وثيقة النقاط الخمس عشرة»، وأن الجيش «لن ينفّذ أي انسحاب على الإطلاق قبل نزع سلاح حماس»، لم يكتفِ نتنياهو بذلك بل إنه تعهد بأن لا يكون هناك دولة فلسطينية في غزة أو الضفة الغربية طالما كان رئيساً للوزراء.
يأتي هذا الموقف الإسرائيلي الواضح في ظل مرونة كبيرة أبدتها الفصائل الفلسطينية بخصوص مسألة نزع السلاح، ومواقف دولية وإقليمية مشجعة من أجل السير قدماً في الخطوات العملية التطبيقية لما اتفق عليه في شرم الشيخ في أكتوبر من العام الماضي، حيث كانت هناك خطة سلام تضمنت عشرين بنداً.
وثيقة الخمسة عشر بنداً التي أعلن نتنياهو رفضه لها، اعتبرها نيكولاي ملادينوف ممثل شؤون غزة لدى مجلس السلام «الطريق الوحيد للمضي قدماً والذي يضمن أن لا تتكرر هذه المأساة». على الجانب الأمريكي، وإن لم يبرز تصريح رسمي واضح حتى الآن، إلا أن بعض وسائل الإعلام نسبت إلى مسؤولين في الإدارة الأمريكية أنه لا يوجد انزعاج أمريكي من تصريحات نتنياهو، وأن هذه مجرد تصريحات انتخابية.
تصريحات نتنياهو تتسق مع معتقداته السياسية، ونهجه العملي طوال فترة توليه سدة الحكم في إسرائيل، وهي لا تخرج عن خطابه السياسي الذي ينكر على الفلسطينيين ممارسة حقوقهم المشروعة. وإن نظرة على سياساته منذ التوصل إلى خطة السلام في غزة فقط توضح إلى أي مدى هو غير معنيّ بالسلام، وغير مستعد للوفاء بالتزامات تحققه، فالفلسطينيون في غزة تحت النيران الإسرائيلية التي تحصد أرواحهم كل يوم، وتكفي الإشارة إلى ما ذكرته منظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونسيف) مؤخراً، بأن طفلاً فلسطينياً يُقتل كل يوم في غزة على مدار ثلاثمئة يوم منذ التوصل إلى وقف إطلاق النار.
ليس القتل وحده ما تمارسه إسرائيل، وإنما التضييق والقيام بكل ما من شأنه جعل الحياة مستحيلة أمام سكان القطاع، وفي هذا مخالفة صريحة أيضاً لبنود خطة السلام. إذن فلا غرو أن يتنكّر نتنياهو لتلك الخطة، ويرفض السير قدماً في تطبيق بنودها. وفي الضفة الغربية هناك حملات مسعورة من قبل المستوطنين ضد الفلسطينيين وأراضيهم ودورهم، وتحظى هذه الحملات بدعم وحماية رسمية.
من الواضح أن السلوك الإسرائيلي يعمد إلى نسف أي محاولة للتهدئة، ومن ثم التسوية، وحتى تكون التسوية دائمة فلابد أن يحصل الفلسطينيون على حقوقهم وفقاً للمرجعيات الدولية. فحقوق الفلسطينيين، وعلى رأسها حقهم في إنشاء دولة مستقلة ذات سيادة على حدود الرابع من يونيو 1967، بما في ذلك القدس الشرقية ليست منّة إسرائيلية، يحتاج تحقق ذلك إلى إرادة دولية واضحة، وحسم في مواجهة التملص الإسرائيلي الدائم من التزامات تم إقرارها بالفعل منذ سنوات، حقوق الفلسطينيين يجب أن لا تكون مسألة ثانوية على جدول أعمال المنظمات الدولية والإقليمية، كما أنه لا ينبغي السماح بالقضاء على ما هو قائم من مؤسسات وترتيبات دولية تقدم العون للفلسطينيين حتى يكونوا قادرين على إدارة شؤونهم بأنفسهم.