يشهد العالم اليوم سباقًا متسارعًا نحو توظيف الذكاء الاصطناعي في مختلف القطاعات، مدفوعًا باستثمارات ضخمة ورؤية تتجاوز حدود التطور التقني إلى إعادة تشكيل أساليب العمل وصناعة القرار وتقديم الخدمات.
ومع هذا التسارع، يبرز سؤال أكثر أهمية من امتلاك التقنية نفسها: ما الذي يجعل الذكاء الاصطناعي قادرًا على تحقيق أثر حقيقي ومستدام؟
الإجابة لا تكمن في الخوارزميات وحدها، بل في قدرة المؤسسات على بناء الثقة، وقيادة التغيير، والتواصل مع الإنسان الذي يستخدم هذه التقنيات ويتفاعل معها. فالذكاء الاصطناعي، مهما بلغت قدراته، لا يصنع القيمة بمعزل عن اتصال مؤسسي يشرح أهدافه، ويعزز الثقة به، ويهيئ البيئة القادرة على استيعابه.
ومن هذا المنطلق، جاء توجه جائزة الشارقة للاتصال الحكومي في دورتها الثالثة عشرة ليواكب هذا التحول العالمي، من خلال استحداث فئات متخصصة بالذكاء الاصطناعي، واعتماد درجة تميز إضافية للتوظيف المسؤول والمبتكر لهذه التقنيات، بما يحقق أثرًا حقيقيًا ومستدامًا.
وتنسجم هذه الرؤية مع ما حققته دولة الإمارات من مكانة متقدمة في تبني الذكاء الاصطناعي وتطوير سياساته، ضمن نهج وطني يركز على الابتكار، ورفع كفاءة العمل الحكومي، وتعزيز جودة الحياة، بما يجعل التكنولوجيا وسيلة لتحقيق التنمية، لا غاية بحد ذاتها، فيما تواصل إمارة الشارقة دعم هذا التوجه من خلال رؤية المجلس التنفيذي للإمارة، الهادفة إلى ترسيخ الابتكار المؤسسي، والارتقاء بكفاءة الخدمات الحكومية، وبناء منظومة عمل أكثر جاهزية للمستقبل. حتى تتحول التقنية إلى قيمة مضافة تنعكس على جودة الخدمات، وترتقي بجودة الحياة.
ورغم أن المؤسسات حول العالم تتوسع في استثماراتها في الذكاء الاصطناعي، فإن نتائج العديد من الدراسات تشير إلى أن الوصول إلى مرحلة النضج في توظيف هذه التقنيات لا يزال محدودًا. وتشير تقارير معهد ماكينزي العالمي إلى أن التحدي لم يعد في توفر التكنولوجيا، وإنما في القيادة، وإدارة التغيير، والثقافة المؤسسية، وهي عناصر تحدد قدرة أي مؤسسة على تحويل الإمكانات التقنية إلى نتائج ملموسة.
ويبين مؤشر إيدلمان للثقة أن تقبل المجتمعات التقنيات الحديثة يرتبط بدرجة كبيرة بوضوح الرسائل، وشفافية المؤسسات، وقدرتها على توضيح فوائد التكنولوجيا وتحدياتها بصورة متوازنة. فالناس لا يرفضون الابتكار بقدر ما يبحثون عن فهمه والاطمئنان إلى آثاره، وهنا يصبح الاتصال شريكًا في بناء الثقة.
كما أكدت منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو)، مبادئ عالمية للاستخدام المسؤول للذكاء الاصطناعي، تشمل الشفافية والمساءلة والرقابة البشرية وحماية الخصوصية والاستدامة، تأكيدًا على أن القيمة الحقيقية لهذه التقنيات تقاس بأثرها في الإنسان والمجتمع.
* مدير عام المكتب الإعلامي لحكومة الشارقة
