يذكر شوقي ضيف في الجزء الأول من موسوعته تاريخ الأدب العربي (العصر الجاهلي) أن زهير بن أبي سلمى عاش في كنف خال له يُسمّى (بَشامة بن الغدير) وكان، كثير المال، بحسب ما روى ابن سلام، وأنه ممن فقأ عينَ بعير، وكان الرجل في الجاهلية إذا مَلَكَ ألف بعير فَقَأ عينَ فحلها، وقد لا تستوقفك هذه الرواية لما فيها من غرابة وربما مبالغة، لأن الإبل كانت لبدوي الصحراء في مستوى أبنائه، وإن كانوا آنذاك يفقأون أعين الفحول من الإبل، فربما، في تقديري، يعود ذلك إلى درء الحسد.
المهم أن بشامة بن الغدير هذا خال الشاعر زهير بن أبي سلمى لمّا حضرته الوفاة، كما يذكر شوقي ضيف، جعل يقسّم ماله بين أهل بيته، وأعطى زهيراً نصيباً منه، وَيُروى أنه قال له: إني أعطيتك ما هو أفضل من هذا المال، فقال زهير: ما هو؟ فقال له: شِعْري، فقد أخذ زهير عن خاله قواعد الشعر، ورأس البلاغة.
يذكر شوقي ضيف أيضاً أن رجلاً من أشراف قبيلته واسمه: هرم، كان أيضاً كثير العطاء للشاعر زهير، وكان يمدحه في قصائد من عيون الشعر الجاهلي، لكن يقول شوقي ضيف: لقد ذهب ما أعطاه هرم لزهير مع الزمن، أما ما أعطاه زهير إلى هرم فخلد على الأيام.
منذ الجاهلية الأولى، وإلى الجاهلية العالمية المعاصرة، قد يذهب المال وتذهب السلطة، وتذهب القوّة المسلّحة في الجوّ والبرّ والبحر، لكن يبقى الشعر، مع أن قوّته ليست مادية على الإطلاق، فكل رأس مال الشاعر اللغة والبلاغة والمعنى، وإذا عدت الآن إلى تاريخ الحرب، على سبيل المثال، في الجاهلية فكأنك تخرج مبللاً بالدم لكثرة السيوف التي قطعت الرؤوس، ولكثرة الغزو والطمع والثأر، وأحياناً لكثرة الاعتداد بالنفس (الأمّارة بالسوء) لإشباع نزعة الغرور المتأصّلة في الإنسان المريض عادةً، لكن كل ذلك الكثير من العنف والتهديد والتخويف الذي كان سائداً في ثقافة الصحراء.. أين هو الآن في الذاكرة الثقافية؟.. لا شيء. مجرّد روايات مشكوك في سردها وتدوينها، حكايات ليل مثلما فقأ خال الشاعر عين بعيره، لكن الشعر له رواية مختلفة، وإن اختلفت الروايات على قصيدة، فمن السهل معرفة الحقيقة الأدبية من خلال اللغة التي هي بوّابة المعرفة.
أجل، الشعر معرفة، والشعر تاريخ، والشعر قيمة ومكانة، وإلّا، لماذا قال بشامة بن الغدير لابن أخته الشاعر الذي كان يكره الحرب: لقد أعطيتك ما هو أفضل من المال؟.
في كل الأحوال.. لا تفقأ عينَ بعير.
