امتداداً لما كتبه الشاعر اللبناني شوقي بزيع في «الشرق الأوسط» عن علاقة كتّاب العالم وفلاسفته بمكتباتهم في ضوء قراءته كتاب «أطوي العالم في مكتبتي»، إعداد وترجمة الكاتب المصري أحمد الزناتي، أروي لك وقائع ليلة شتائية عشتها في مكتبتي قبل نحو ثلاثين عاماً، حين عدت بعد منتصف الليل إلى بيتي مبلّلاً تماماً بماء المطر، ووحيداً في غرفة مملوءة بالكتب المصفوفة على نحو عشوائي في أرفف خشبية عتيقة يكاد بعضها يتهالك على الأرض من ثقل بعض المجلّدات.
أوقدت ناراً صغيرة، وإذْ، أخذ الدفء يسري في جسدي البارد غفوت، ونمت، ثم حلمت.. رأيت أشخاصاً يخرجون من الكتب. لا ملامح محدّدة، ولا ألوان، ولا ثياب خاصة بأي من هؤلاء البشر الذين جلسوا حول النار، فقط، بشر غامضون خرجوا من الورق، ولم يكونوا من ورق، لأنهم كانوا يتكلمون (الورق مثل الدم يتكلم) إذا قرأت الرواية الوحيدة لناظم حكمت، بل، يخيل إليّ أنني رأيت ناظم حكمت، ولوركا، ونيرودا، والجاحظ، والأصمعي (وعاء اللغة)، كما خيل إليّ أنني رأيت حول النار (أوڤيد)، ودانتي، ودوستويفسكي، وأبا حيان التوحيدي، والنفّري، وهيرمان هيسّه، ووالت ويتمان، وفيكتور هيجو، وجبران، ورأيت ذا الرّمة، كما رأيت ذلك الحبل المشدود على ذراعه، وكانت (ميّ) تناوله الماء، وهي تقول: اشرب يا ذا الرّمة، ومنذ قولتها تلك صار هذا هو اسمه.
رأيت امرأ القيس وفرسه وغدير مائه وشوائه وحلّته المسمومة، ولم يكن في المكتبة أيّ من تلك الكتب المسمومة، كما رأيت امبرتو ايكو، والدير الذي احترقت فيه الكتب. رأيت دجلة الذي اسودّ ماؤه من حبر الكتب، ورأيت لصوص الكتب، وأن لصوص الكتب أشرف ممن يحرقونها أو يقفّعون أيدي من يؤلفونها، رأيت ابن المقفع، والحلّاج، رأيت سافو وكانت نفسها تعاف النحل والعسل، جلست عند رأسي بالقرب من ناري الصغيرة، وكان المطر يبكي في الخارج، وكم من الشعراء أحب الكتابة على وقع الماء: رأيت مطر السيّاب، ونزار قباني، وجاك بريفير، وغيرهم من شعراء الحب في الشتاء.
لم يكن هؤلاء الذين رأيتهم في حلمي كما هم في حَيَواتهم، بل، كانوا صوراً وأصواتاً، خرجوا من الكتب، وقد تلطّخت ملامحهم بالحبر الأسود. الحبر الوحيد الذي يكتب به المؤلفون، وهكذا، بدت الكلمات أسراباً من النمل الذي فزع من خيل سليمان.
شكراً يا زير الكتب صديقي الشاعر الذي رأيته أيضاً شوقي بزيع، لقد أعدتني إلى شبابي حيث عرفت من الكتب، أكثر مما عرفت من النساء، لكن، لا واحدة منهنّ عمّرت أكثر من كتاب.
